الانتفاضة/ عثمان لبصيلي
في خضم الانشغال العربي والإفريقي بـ”الكان”، يطل علينا حدث عالمي من جبال الألب السويسرية — منتدى دافوس الاقتصادي — حيث تتقاطع السياسة والاقتصاد والفكر لتكشف عن ملامح النظام الدولي الجديد.
أمريكا، مرة أخرى، تقدم للعالم درسًا في البراغماتية الصلبة، وعنوانه: “الاعتماد على الآخرين وهم، والاحتماء بالعملاق الأمريكي سراب قد ينقلب إلى خراب.”
أولًا: التحالف الأطلسي.. نهاية الثمانين عامًا من الوهم
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ظلت الشراكة عبر الأطلسي بين أوروبا وأمريكا حجر الزاوية في النظام الدولي الليبرالي. غير أن العقود الثمانية الماضية بدت وكأنها تتهاوى أمام نزعة الانعزالية الأمريكية الجديدة، التي تكرسها إدارة ترامب وأتباعه من “الواقعيين الجدد”.
في عام 2019، كتب الباحث الأمريكي جون ميرشايمر في مؤلفه The Great Delusion: Liberal Dreams and International Realities أن “أوروبا ستكتشف عاجلًا أن واشنطن لا تحمي أحدًا إلا ما يخدم مصلحتها القومية المباشرة” — وهو ما نشهده اليوم مع السياسات الأمريكية تجاه حلفائها الأوروبيين.
فترامب، بإعلانه أن “غرينلاند مهمة للأمن القومي الأمريكي”، لم يكن يمزح. بل كان يرسل إشارة رمزية بأن الهيمنة لا تعترف بالتحالفات القديمة ولا بالقانون الدولي.
وهو ما أكده تقرير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) لعام 2025 حين قال صراحة:
“الاعتماد الأوروبي المفرط على المظلة الأمريكية لم يعد ضمانة، بل أصبح مصدر هشاشة استراتيجية.”
وهكذا تحوّل الحليف إلى عبء، والداعم إلى مهدد، والمظلة إلى قيد.
ثانيًا: مجلس السلام الترامبي.. تفكيك المنظومة لا إصلاحها
يبدو أن ما يسمى بـ“مجلس السلام الترامبي” ليس سوى محاولة لإعادة صياغة النظام الدولي بما يخدم مصالح واشنطن، حتى لو على حساب الأمم المتحدة والمؤسسات متعددة الأطراف.
فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، صاغت أمريكا منظومة الأمم المتحدة لتكريس نفوذها، لكنها الآن ترى فيها عائقًا أمام هيمنتها الأحادية.
العالم السياسي جوزيف ناي، في كتابه The Future of Power، يحذر من أن “القوة الصلبة وحدها لا تكفي لبناء نظام دولي مستقر”، مشددًا على أهمية “الشرعية” كعنصر توازن للقوة.
لكن ترامب، كما يرى الفيلسوف الفرنسي إدغار موران، “ينتمي إلى مدرسة تُقدّس القوة وتحتقر الفكرة”، أي أنه يفضل “تحطيم اللعبة” بدلًا من تطويرها.
ثالثًا: المغرب والواقعية السياسية في عالم لا يرحم
في ظل هذه الفوضى الجيوسياسية، يشارك المغرب — ومعه سبع دول عربية — في المجلس الجديد.
قد يبدو ذلك، للوهلة الأولى، تناقضًا بين المبدأ والسياسة، لكنه في الواقع تجسيد لمدرسة الواقعية السياسية التي تُدرّس في كبرى جامعات العلاقات الدولية.
فكما يقول هنري كيسنجر في كتابه Diplomacy:
“الدول لا تُكافأ على نواياها الحسنة، بل على قدرتها على المناورة داخل توازنات القوة.”
وبالتالي، فإن الحضور المغربي في هذا المجلس لا يعني الاصطفاف الأعمى، بل محاولة ذكية لحجز مقعد في النظام الدولي الجديد بدل ترك الآخرين يقررون عنه.
رابعًا: من دافوس إلى الدار البيضاء.. بين الخطاب والمصالح
في ظل حديث أوروبا عن “القانون الدولي” و“الشرعية”، تبدو المفارقة صارخة:
أوروبا نفسها التي شرعت التدخل في العراق وليبيا، وتغاضت عن انتهاكات الحلفاء، تكتشف الآن أن القانون الدولي سلاح بيد الأقوياء فقط.
كما قال الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري في نقد العقل السياسي العربي:
“السياسة، حين تنفصل عن الأخلاق، تتحول إلى مجرد لعبة قوى بلا بوصلة.”
والنظام الدولي اليوم بلا بوصلة، سوى قانون القوة الذي يحكم كل شيء.
خامسًا: ما بعد دافوس.. عالم بلا مظلات
العالم يسير نحو مرحلة ما بعد الأحادية، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى (الصين، روسيا، الهند، أمريكا) في مشهد من التنافس المفتوح.
وتشير دراسة صادرة عن مجلس الأطلسي (Atlantic Council, 2025) إلى أن “القرن الحادي والعشرين سيكون قرن التحالفات المؤقتة والمصالح المتغيرة، لا القيم المشتركة.”
وهنا تظهر أهمية أن تبني الدول المتوسطة مثل المغرب سياسات خارجية مرنة، قادرة على المناورة بين المحاور دون السقوط في التبعية أو العزلة.
لا تقترب، لا تبتعد
المثل المغربي يقول: “ثلاثة لا تقربهم ولا تبعدهم: النار، والما، والمخزن.”
واليوم يمكن أن نضيف: “ولا أمريكا.”
فهي نار تحرق، وماء يُغرق، ومخزن للعالم لا يفتح أبوابه إلا لمن يفهم قواعده.
التعليقات مغلقة.