الانتفاضة ^^ حسن المولوع
يسير المغرب بسرعتين متباينتين..سرعة الدولة التي يقودها جلالة الملك برؤية استراتيجية بعيدة المدى، وسرعة أخرى مشوشة تصنعها الانفعالات وردود الفعل السطحية، خاصة في لحظات الشحن الجماهيري المرتبطة بكرة القدم..وبين السرعتين، تُهدر أحيانا مكتسبات كبرى بُنيت بصبر وتراكم.
خلال السنوات الأخيرة، نجح المغرب، بفضل الدبلوماسية الملكية، في التغلغل عميقا داخل القارة الأفريقية، ليس فقط عبر الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارات، بل عبر ما يُعرف بـ القوة الناعمة: الدين، الثقافة، التعليم، والتعاون الروحي.. بناء المساجد، توزيع المصاحف، تكوين الأئمة، وخطاب ديني معتدل؛ كلها أدوات صنعت للمغرب صورة دولة وازنة، محترمة، وموثوقا بها داخل أفريقيا. فهذه القوة الناعمة لا تُحدث ضجيجا، لكنها تُغيّر العقول وتبني الولاءات الهادئة..
غير أن المفارقة المؤلمة اليوم، هي أن جزءا من هذا البناء يتعرض للاهتزاز بسبب كرة القدم، وبالضبط بسبب تدبيرنا الرمزي والإعلامي لكأس أفريقيا. فقد تحولت تظاهرة رياضية، كان من المفترض أن تكون فرصة تاريخية لتثمين روابط الأخوة بين الشعوب الأفريقية، إلى ساحة توتر وصراع وخطاب عدائي متبادل، غذّته حسابات إلكترونية، وساهم في تضخيمه انفعال جماهيري غير مؤطر..
كأس أفريقيا ليست مجرد مباريات، بل منصة سياسية وثقافية
ناعمة بامتياز.. دول ذكية استثمرتها لتقديم نفسها كجسر للتقارب، وكفاعل وحدوي داخل القارة. أما نحن، فسمحنا بوعي أو بدونه—أن تتحول إلى مناسبة لتوسيع الشقوق، خصوصا مع شعوب شقيقة كالمصريين والجزائريين وغيرهم.. هنا، نفقد إحدى أهم قواعد القوة الناعمة: التحكم في الصورة..
جلالة الملك كان واضحا في خطابه عندما دعا إلى مدّ اليد للأشقاء في الجزائر، واضعا منطق التاريخ والجغرافيا والمستقبل فوق منطق الخلاف والضغينة. فهذه الدعوة لم تكن موقفا عاطفيا، بل رؤية دولة تدرك أن الاستقرار الإقليمي شرط أساسي لأي نهضة حقيقية.. لكن، في المقابل، هناك من يصرّ على السير عكس هذه التوجيهات، من خلال خطاب شعبوي وانفعالي، يختزل العلاقات بين الدول في نتيجة مباراة أو لقطة تحكيم..
القوة الناعمة لا تُبنى فقط بالمساجد والمشاريع، بل تُهدم أيضًا بالكلمة غير المحسوبة، وبالتحريض، وبالتسامح مع خطاب الكراهية. فحين نفشل في ضبط الفضاء الرقمي، ونترك “الذباب الإلكتروني” يزرع الفتنة بين الشعوب، فإننا نحطم بأيدينا ما بُني بعقل الدولة..
إن الاحترام الحقيقي لا تصنعه كرة القدم، مهما كانت إنجازاتها. الاحترام تصنعه الجامعات الكبرى، والمستشفيات المتخصصة، والمختبرات العلمية، والاقتصاد القوي، والصناعة المنتجة، قبل ذلك وبعده: صورة دولة عاقلة، متزنة، تعرف متى تفرح ومتى تضبط انفعالها..
موقفي واضح ولا لبس فيه: أنا مع الملك، مع منطق الدولة، ومع رؤية تعتبر أفريقيا عمقا استراتيجيا لا ساحة صراع افتراضي. ومع كل جهد يحوّل الرياضة إلى جسر للتقارب، لا معولا لهدم ما تبنيه الحكمة على مهل..
التعليقات مغلقة.