الانتفاضة
في زمنٍ تُغرق فيه الأمة أوقاتها وأعصابها وأموالها في مطاردة كرةٍ مستديرة، يحق للمرء أن يتساءل بصدق: أهذا كل ما تبقّى لنا من هممٍ وعزائم؟
رجالٌ بالغون يركضون وراء قطعة جلدٍ منتفخة لساعةٍ ونصف، يصرخون، يبكون، يتشاجرون، بل ويتقاتلون أحياناً، بينما ينظر إليهم ملايين يهتفون كأن مصير الأمة يتوقف على من يضع الكرة في الشباك! أموالٌ طائلة تُنفق على عقود لاعبين تفوق ميزانيات دول، وقنوات تبث المباريات بمليارات، وجماهير تُضيّع أيامها ولياليها في التشجيع والجدال والسباب… كل ذلك من أجل ماذا؟
هل حقاً تستحق هذه اللعبة أن تُصبح أهم من القراءة، أعظم من البحث العلمي، وأقدس من قضاء الوقت مع الأهل والأبناء؟ هل يُعقل أن يُصاب مجتمع بأكمله بالاكتئاب لأن “فريقه” خسر، أو بالنشوة المفرطة لأنه فاز… بينما مشكلات الفقر والتعليم والصحة تتراكم دون حل؟
كرة القدم ليست شرّاً مطلقاً، بل رياضةٌ قد تكون ترفيهاً مشروعاً أو تمريناً بدنياً مفيداً في حدودها. لكن ما نراه اليوم ليس رياضة، بل صناعةً عابرة للقارات تُستغل لتلهية الشعوب، وتفريغ طاقاتها في صراعات وهمية بدلاً من مواجهة التحديات الحقيقية.
فمتى نُدرك أن الوقت أغلى من أن نُهديه لمطاردة كرة؟ وأن الأمة التي تُقدّر الفوز في الملاعب أكثر من الفوز في ميادين العلم والعمل والأخلاق… أمةٌ تاهت طريقها؟
التعليقات مغلقة.