من إنتاج المعرفة إلى تدبير الولاءات: رؤية في أزمة الجامعة

الانتفاضة/ بقلم: حسن بنسعود رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان لشيشاوة.

لم تكن الجامعة في زمنها المؤسِّس فضاءً محايدًا لنقل المعارف، ولا مؤسسة إدارية تُدار بمنطق الملفات والمساطر، بل كانت مجالًا اجتماعيًا ذا وظيفة رمزية واضحة، تُنتج داخله المعاني، وتُصاغ فيه الأسئلة الكبرى، وتتشكل عبره النخب القادرة على التفكير في المجتمع ونقد مساراته. داخل هذا الفضاء، لم يكن الأستاذ الجامعي مجرد فاعل وظيفي، بل حاملًا لرأسمال معرفي ورمزي، يُستمد حضوره من قدرته على التفكير المستقل، وعلى مساءلة السائد، وعلى الانخراط في مشروع فكري يتجاوز جدران المدرج نحو المجال العمومي.
في هذا السياق، لم تكن الألقاب العلمية زينة لغوية ولا مفاتيح إدارية، بل تتويجًا لمسار شاق من التكوين والتراكم والاختبار النقدي. كانت الدكتوراه، على وجه الخصوص، تعبيرًا عن انتقال نوعي في علاقة الفرد بالمعرفة، لا مجرد شهادة تؤهله للاندماج في جهاز وظيفي. لذلك لم يكن عدد الحاصلين عليها كبيرًا، لكن وزنهم داخل الحقل الثقافي والفكري كان حاسمًا، كما كان الطالب نفسه جزءًا من هذه المعادلة، فاعلًا متفاعلًا، يدرك أن الجامعة ليست فضاء للاستهلاك السريع، بل زمنًا لبناء الذات والعقل.
غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المجتمع منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي أعادت تشكيل الجامعة على نحو عميق. فقد توسّعت هذه المؤسسة كمًّا، في مقابل تآكل تدريجي لوظيفتها النوعية، وبدأ منطق التدبير الإداري والنفعي يزاحم منطق المعرفة، بل ويتغلب عليه في كثير من الأحيان. ومع دخول الألفية الثالثة، أصبح هذا التحول أكثر وضوحًا، حيث تضخّم عدد الشهادات دون أن يواكبه تحسن في جودة التكوين، وتحولت الدكتوراه، في حالات غير قليلة، من أفق للإضافة العلمية إلى وسيلة للاندماج الوظيفي والترقي داخل منظومة فقدت بوصلتها المعرفية.
لم يعد البحث العلمي يُقاس بعمقه أو بقدرته على الإسهام في تراكم معرفي حقيقي، بل بمؤشرات كمية وشكلية، تفرغ الفعل البحثي من محتواه النقدي. والأسوأ من ذلك أن التأليف الرصين والنشر في المجلات العلمية والفكرية المحكمة، الذي كان يُعد شرطًا أساسيًا للاعتراف بالكفاءة العلمية، لم يعد في كثير من السياقات معيارًا حاسمًا في توظيف الدكاترة أو في شغل المناصب داخل الجامعة. فقد أفرزت الممارسات اليومية واقعًا تُرجَّح فيه علاقات القرب، ومنطق التزلف، وشبكات الولاء، وأشكال مختلفة من السمسرة الرمزية، على حساب الجدارة العلمية والاستقلال الفكري.
في هذا المناخ، أصبح القرب من لوبيات الإدارة الجامعية، والانخراط في دواليبها، وأداء أدوار خدمية لفائدة مراكز النفوذ الأكاديمي، أكثر مردودية من بناء مسار بحثي رصين أو مشروع فكري مستقل. وهكذا تحوّل جزء من الحقل الجامعي إلى فضاء يُكافَأ فيه الامتثال، ويُعاقَب فيه التفكير النقدي، وتُهمَّش فيه الكفاءات التي ترفض الخضوع لمنطق الولاءات. ولم يكن تآكل صورة الأستاذ الجامعي نتيجة ضعف فردي بقدر ما كان نتيجة بنية تكافئ الطاعة أكثر مما تكافئ المعرفة.
وساهم الإعلام بدوره في تعميق هذا التآكل، حين قدّم نماذج سطحية باعتبارها “خبراء” و”دكاترة”، لا لقيمتها العلمية، بل لقدرتها على الاستعراض والتبسيط المخل، ما أدى إلى ابتذال اللقب الأكاديمي وتجريده من دلالته الرمزية داخل المخيال الاجتماعي.
غير أن أزمة الجامعة لا تتوقف عند صورة الأستاذ، بل تتجلى بشكل أوضح في وضع الطالب نفسه. حيث إن تراجع الثقة في قيمة الشهادة، وضعف التمثّل الإيجابي للمستقبل، وهيمنة منطق الاستعجال والنفعية، ليست اختلالات فردية أو جيلية، بل انعكاس مباشر لتحول وظيفة الجامعة. فالطالب لا يعزف عن التفكير لأن التفكير عبء، بل لأن المنظومة لم تعد تمنحه مقابلًا رمزيًا أو اجتماعيًا على هذا الاستثمار المعرفي.
هكذا تُنتج جامعة مُفرغة من محتواها النقدي طلبة بلا أفق واضح، كما يُنتج أستاذ محاصر في منطق إداري زبوني علاقة تعليمية هشة، تفتقر إلى القدوة والمعنى. وبهذا المعنى، تفقد الجامعة دورها التاريخي كرافعة للحركية الاجتماعية، وتتحول من فضاء لإنتاج النخب إلى مؤسسة تُعيد إنتاج الهشاشة واللايقين. ثقافيًا، تراجع حضورها في النقاش العمومي، وغابت قدرتها على إنتاج أفكار كبرى أو تيارات فكرية مؤثرة، واجتماعيًا أصبحت تساهم، بشكل غير مباشر، في تكريس اللامساواة الرمزية، بينما ازداد اقتصاديًا الانفصال بين التكوين الجامعي وحاجيات المجتمع.
لسنا، إذن، أمام صراع أجيال ولا أمام حنين إلى ماضٍ مثالي، بل أمام أزمة وظيفة ومعنى. أزمة جامعة لم تعد تعرف هل هي فضاء للمعرفة أم جهاز لتدبير الولاءات، وأستاذ جُرّد من دوره كمفكر مستقل، وطالب وُضع أمام مستقبل غامض بلا ضمانات رمزية أو اجتماعية. وحين تفقد الجامعة مشروعيتها، يفقد المجتمع أحد أهم فضاءات إنتاج العقل النقدي وبناء الأمل في التغيير.
من هنا، لا يعود السؤال تقنيًا أو بيداغوجيًا، بل سؤالًا مصيريًا: هل نريد جامعة تُنتج المعنى وتؤطر المستقبل، أم مؤسسة تُدير التوازنات وتوزّع الألقاب؟ لأن الجواب عن هذا السؤال لا يحدد مصير الأستاذ أو الطالب فحسب، بل يرسم ملامح مستقبل المعرفة ودورها داخل المجتمع بأكمله.

التعليقات مغلقة.