الانتفاضة
تولستوي، ذلك النبيل الذي وُلد وفي فمه ملعقة من ذهب، لم يكن نتاج فقر أو شظف عيش أو ندوب طفولة قاسية، كان ابنا لطبقة ترى نفسها في مرآة التاريخ انعكاسا للمجد والترف والهيبة.
عاش أول عمره كما تعيش الطبقات العريضة التي لا تنظر خلفها ولا تحت قدميها، وجرّب كل اللذات التي توهم أصحابها أن الحياة تقاس بعدد الكؤوس الممتلئة والنساء العابرات والفرسان الذين يركضون باسم الشرف الزائف…
لكن في منتصف الأربعين من عمره ، وبينما كانت شهرته الأدبية تناطح السحاب، كتب تولستوي في شرخ إنساني عميق: “أدركتُ أنني طوال حياتي كنت أهرب من نفسي إلى الآخرين، واليوم هربت إلى نفسي”. جملة كُتبت بحبر الوجع الهادئ، وبنزيف التأمل بعد الإنهاك، لا بقلم الغرور أو بمداد الفلسفة الفارغة…
كان الانقلاب الذي عاشه تولستوي أقرب إلى تحول وجودي جذري، لا صراع أفكار أو مراجعة معتدلة. كلّ ما بناه في حياته الأولى: القصور، المجد، الصيت، الهالة الاجتماعية، انهار في داخله كما ينهار برج داخلي من وهم. ترك ضيعته الواسعة، وارتدى قميص الفلاحين، وسكن في مقصورة خشبية عند أطراف الحياة، حيث لا تصل صراخات السوق، ولا أخبار النخب، ولا هرج الكتّاب الذين يناقشون الحياة دون أن يلمسوها…
لم يكن جنونا، كان صحوا. من ذلك النوع الذي يكلفك كل ما تملك دون أن تندم.
الهروب إلى النفس لا يفعله من يخاف وحدته، بل من اكتشف أن الجموع لا تمنح الدفء، وأن الضجيج لا يملأ الفراغ، وأن الكلمات إن لم تُحك في صمت الذات، تبقى كالأجراس الفارغة تُرنّ دون طنين حقيقي…
اختار تولستوي أن يغوص في الحدس الأخلاقي الأعمق، أن يعيد اكتشاف الله خارج جدران الكنيسة، أن يبحث عن العدالة في العيش البسيط. كان يريد خلاصا لا مجدا، وكان يفضل السلام الداخلي على كل انتصار خارجي…
كتب يوما في مفكرته: “كلما اقتربت من الأرض، كلما اقتربت من المعنى”.
وهو قول ليس فيه شاعرية، بل تجربة: فالرجل كان يكنس كوخه، يزرع حديقته، ويخيط ملابسه، وهو من كتب “الحرب والسلام”…
المؤلم أن كل من حوله لم يحتمل تحوّله.
زوجته التي أحبته لم تفهم هروبه من الثراء. الدولة نبذته. الكنيسة كفّرته. القرّاء انقسموا فيه.
وحده تولستوي ظل صادقا مع نفسه، حتى مات في محطة قطار مهجورة، بردان الجسد، دافئ الروح، كمن وصل أخيرا إلى عتبة اليقين…
إن قصة تولستوي ليست عن زهد، إنما عن الهروب الكبير نحو الذات، حيث تتلاشى رتوش المجتمع، وتبقى الكرامة الفكرية نقية، غير ملوثة بالتصفيق أو الرثاء…
هو أحد أولئك الذين فهموا أن العيش القليل بسلام، أعمق من الغنى الملوث بالصخب.
وأن الإنسان لا يكتمل بقدر ما يفنى في المعنى، ويخرج من ذاته الأولى ليولد مرة أخرى، لا من رحم امرأة، بل من رحم ذاته
أما اليوم، فبمجرد أن يملك أحدهم سيارة متواضعة بالكاد تبلل عتبة الراحة، يخلع جلده كما تُخلع البدلة بعد الحفل، ويتنكر لكل ذاك التواضع الإنساني الذي لا يصدأ.
كأن ذرة من الرفاه كافية لتنفخ في الذات وهما متعجرفا، فيحلق فوق الناس دون أجنحة، ناسيا أن العظمة التي لا تصقل بالوعي تسقط عند أول مطبّ، ولو كان في الطريق ذاته الذي يقوده….
التعليقات مغلقة.