الانتفاضة
ما يزال الشرقاوي يصرّ على الهرف، ويواصل الطنين كذبابة تحوم حيث القذارة الفكرية أكثر كثافة.
آخر خرجاته كانت ما سماه بـ«متلازمة البرّاني»، وكأن بعض المغاربة ـ حسب منطقه ـ أصيبوا بعارض نفسي يجعلهم يدافعون عن قضايا خارجية وينسون قضية وطنهم. طرح يبدو لأول وهلة ذكياً، لكنه عند أول فحص جادّ يتهاوى كبيت من ورق.
أولاً، عن أية قضية وطنية يتحدث الشرقاوي؟
إن كان يقصد قضية الصحراء، فالمغاربة حسموا موقفهم منها منذ زمن بعيد.
هي ليست موضوع نقاش داخلي ولا ساحة صراع هوياتي، بل ملف سيادي تديره الدولة بمؤسساتها، ويُجمع عليه المجتمع بدون حاجة إلى عربدة افتراضية ولا مزايدات وطنجية رخيصة.
الوطنية ليست صراخًا، ولا تُقاس بعدد الشتائم الموجهة للجزائر أو لمن يدور في فلكها.
ثانيًا، ما معنى “الدفاع” في قاموس الشرقاوي؟
هل الدفاع هو المناقرة اليومية على فيسبوك؟
هل هو سبّ الجزائريين، أو شتم نشطاء وهميين، أو الدخول في معارك كلامية لا تُقدّم ولا تؤخّر شيئًا في ميزان المصالح الوطنية؟
إن كان هذا هو الدفاع، فنحن أمام تصور طفولي للوطنية، يختزلها في الملاسنة والانفعال، لا في الفعل، ولا في الوعي، ولا في البناء.
الدفاع الحقيقي عن القضايا الوطنية يكون عبر:
دعم الموقف الرسمي حين يقتضي الأمر بوعي لا بعصبية
النقد الداخلي حين يستوجب الإصلاح
تقوية الجبهة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية
أما تحويل الوطنية إلى “حلبة تعليق” فهذا ليس دفاعًا، بل إفراغ للقضية من معناها.
ثالثًا، المفارقة الصارخة في صاحب الطرح
الشرقاوي نفسه لم يُعرف عنه أنه حضر تظاهرة، أو شارك في فعل سياسي، أو انخرط يومًا في نقاش عمومي حقيقي خارج الشاشة. لا نعرف كيف سقط سهواً من هامش الهامش ليجلس في موقع الواعظ والمنظّر، يوزع صكوك الوطنية، ويصنّف الناس بين “وطني” و“مصاب بمتلازمة البرّاني”.
أما حديثه عن “انتهاء عصر البروباغندا”، فيثير السخرية أكثر مما يثير التفكير. لأن خطابه ذاته ليس سوى بروباغندا متأخرة، رديئة الصنع، تعتمد التبسيط، التخوين الضمني، وإثارة الغرائز بدل إعمال العقل.
الخلاصة أن المشكلة ليست في مغاربة يهتمون بقضايا خارجية، بل في خطاب يريد وطنية صاخبة بلا مضمون، واصطفافًا أعمى بلا تفكير.
الوطنية الحقة لا تخاف من النقاش، ولا تحتاج إلى ذباب إلكتروني لحمايتها، ولا إلى منظّرين لم يمارسوا يومًا ما يدّعون الدفاع عنه.
التعليقات مغلقة.