الانتفاضة // نور الهدى العيساوي
في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها الفضاء الرقمي، عاد مشروع تعديل قانون المسطرة الجنائية ليشعل نقاشًا واسعًا داخل الأوساط القانونية والحقوقية، بعدما اتجه نحو توسيع صلاحيات الدولة في مجال اعتراض وتتبع الاتصالات، لتشمل هذه المرة مختلف أشكال التواصل الرقمي التي أضحت جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية للمغاربة، وعلى رأسها تطبيقات التراسل الفوري مثل “واتساب”.
المقاربة التشريعية الجديدة تنطلق من تشخيص مفاده أن الجريمة لم تعد حبيسة الوسائل التقليدية، بل انتقلت بقوة إلى العالم الافتراضي، مستفيدة من التقنيات الحديثة، وسرعة تداول المعلومات، وخصائص التشفير التي تتيح التخفي وصعوبة التتبع. هذا التحول دفع المشرع إلى إعادة النظر في الإطار القانوني المنظم لاعتراض الاتصالات، بعدما ظل لسنوات طويلة مقتصرًا على المكالمات الهاتفية الكلاسيكية.
وبموجب التعديلات المقترحة، أصبح من الممكن قانونًا تتبع الرسائل النصية الرقمية، والبريد الإلكتروني، والمكالمات الصوتية والمرئية عبر الإنترنت، إضافة إلى المحادثات الجارية عبر شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات التواصل المشفرة. كما لم يعد الاعتراض مرتبطًا بلائحة ضيقة من الجرائم، بل اتسع نطاقه ليشمل أفعالًا مجرّمة متعددة، وفق صياغة عامة تتيح تفعيله في قضايا مختلفة متى ارتبطت بشبهات تستوجب البحث والتحري.
وفي السياق ذاته، شملت المراجعة القانونية توسيع دائرة الجهات القضائية المخول لها إصدار أوامر اعتراض الاتصالات، مع اعتماد مساطر أكثر مرونة وسرعة، خاصة في الملفات التي تتطلب تدخلاً فوريًا. ويُقدَّم هذا التوجه باعتباره جزءًا من استراتيجية تهدف إلى تعزيز النجاعة الأمنية، ومواكبة التحديات التي تفرضها الجرائم ذات الامتداد الرقمي، من الاحتيال الإلكتروني إلى الجريمة المنظمة.
غير أن هذا المسار لم يمر دون إثارة تحفظات واسعة، إذ عبّر عدد من المتابعين عن مخاوفهم من انعكاسات هذه الصلاحيات الموسعة على الحق في الخصوصية، لاسيما وأن الهواتف الذكية وتطبيقات المراسلة باتت تختزن تفاصيل دقيقة من الحياة الشخصية والمهنية للمواطنين. وتزداد هذه التخوفات مع ارتباط بعض هذه التطبيقات، مثل واتساب، بخطاب تسويقي يقوم أساسًا على ضمان سرية المعطيات وحماية المراسلات عبر التشفير.
ويرى مهتمون بالشأن القانوني أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في مبدأ تحديث الترسانة القانونية لمواكبة التطور التكنولوجي، بل في طبيعة الضمانات المصاحبة لهذه المقتضيات، ومدى احترامها لمبدأ التناسب، وحصر اللجوء إلى اعتراض الاتصالات في الحالات الاستثنائية والضرورية، وتحت رقابة قضائية صارمة تحول دون أي تعسف محتمل.
وبين اعتبارات الأمن ومتطلبات حماية الحقوق والحريات، يفتح مشروع التعديل بابًا واسعًا لنقاش مجتمعي وقانوني حول حدود التدخل المشروع للدولة في الفضاء الرقمي. نقاش يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: كيف يمكن تحقيق الفعالية في مكافحة الجريمة دون المساس بجوهر الحقوق الدستورية، وعلى رأسها الحق في الخصوصية وسرية التواصل، في زمن أصبحت فيه الحياة الرقمية امتدادًا مباشرا للحياة الخاصة؟
التعليقات مغلقة.