هشاشة الآخرين

الانتفاضة  _ سعيد حجي 

انت لا تعرف هشاشة الاخرين، لا تعرف كم مرة انكسروا من الداخل ثم رمموا أنفسهم دون ضجيج، لا تدري كم عدد الليالي التي مرّوا فيها كأنهم أطياف، بلا صوت، بلا ملامح، فقط ظلّ يتحرك في العتمة، يلبس جسدا لم يعد يصدّق نفسه. في لحظة ما، حين تصادف صمت أحدهم، تذكر ان الصمت ليس علامة على السكينة دائما، أحيانا يكون الصمت هو شكل آخر من أشكال الصراخ الذي تعب من أن يُسمع…

الإنسان، كما وصفه “كانيتي”، كائن يحترف التخفّي. يتقن فنون التمويه، ويصنع واجهات كاملة تخدع حتى نفسه، يحضر في الخارج مبتسما، بينما في الداخل تنهشه تمزقات لا اسم لها. الوجه المبتسم قد يكون قناعا فوق قناع، أما القلب فيُترك معلقا في الفراغ، بين رغبة في الحياة وخذلان متكرر منها…

كلما التقيت بشخص هادئ، متماسك، يوزّع كلماته بحذر، اعلم أنك أمام تاريخ من الانهيارات الصامتة. لا تحكم عليه بعدد كلماته، ولا بجفاف ردوده، فأعمق الجروح هي التي ترفض أن تُحكى. الشخص الذي يبدو متوازنا قد يكون في داخله مثل بناء قديم مهدد بالسقوط، مجرد لمسة خاطئة تكفي كي ينهار…

في المسافة التي تفصل بين الظاهر والباطن، هناك آلاف التفاصيل المعقدة، هناك الندوب النفسية التي لم تلتئم، هناك الخيبات المتكررة، هناك الخذلان الذي لم يُنس، هناك المعارك التي خيضت دون أن يشهدها أحد. تذكر ما كتبه فيودور دوستويفسكي عن الظلمة الداخلية التي تشبه شظايا زجاج محطم، لا تراها لكنها تجرحك كلما لمستها. لذلك، لا تقترب من ألم الآخر كما لو أنك خبير به، اقترب بتواضع، بخشوع، كما يقترب الزاهد من محراب صامت…

الإنسان لا يقاس بنبرة صوته ولا بطريقة مشيه، بل بكمية الألم الذي حمله وبقي رغم ذلك واقفا. فخلف كل ظهر مستقيم، ظلّ كثيف من الإنهيارات المؤجلة، من الصدمات التي تم ابتلاعها دون تفسير، من الأسئلة التي لم تجد طريقا إلى الفم…

وحدها الرحمة تعيد ترتيب فوضى العلاقات، وحدها الفطنة الداخلية، حين تصمت عن إطلاق الأحكام، تبني الجسور بين الذات والآخر. لا تكن مرآة لا تعكس سوى ما تراه من سطح، بل كن نافذة مفتوحة على احتمالات لا تحصى من التأويل. التمس لأخيك ألف عذر، لأن الألف عذر ليست مبالغة، بل اعتراف دقيق بعدد الطرق التي يمكن أن تؤلم بها الحياة الإنسان دون أن تترك دليلا ماديا واحدا…

قد تكون كلمة واحدة منك هي القشة التي تقصم ظهر آخر لم تخبرك ملامحه بأي شيء، وقد تكون نظرة تعاطف منك هي الطوق الذي ينقذه. اختر بحكمة، فكل من حولك يحمل على ظهره سرديات مجهولة، وبعضهم ينجو بصمت، وبعضهم يسقط دون صوت…

التعليقات مغلقة.