مجازفة…

الانتفاضة / سعيد حجي

حاولتُ جاهدا أن أصف جمال عيناها، لكنني كنت أمام مجازفة تشبه محاولة القبض على دخان يتصاعد من ناي يئن في عتمة ليل لا آخر له. كانت عيناها ترفضان الانصياع للغة، كأنهما شيفرة محجوبة خلف طبقات من التأويل، مسكرتان كخمرة عرب الجاهلية، تلك التي كانوا يحتسونها نكاية في الوعي، لا رغبة في اللذة. فكلما غصت أكثر في محاولتي، شعرت أنني أفقد القدرة على الإمساك بنفسي، لا أنا أتممت الوصف، ولا أنا صرت صاحيا…

كانت عيناها في فلسفة الجمال، أولى مناطق التجلّي، النقطة التي تتقاطع فيها الروح مع الجسد، حيث تتكثف الهوية في نظرة، وتُلقى الأسرار في لمح. لذلك، وحين تحدّث بورخيس عن العيون ، لم يُفلت من غموضها، لأنه أدرك أن فيها تحاك القصص دون كتابة. أن تُحدّق في عين جميلة هو أن تقف على مشارف الهاوية دون أن تسقط، لكنك تتشوّق للسقوط….

كنت أظن أنني أكتب عنها، لكنني حين أعدت قراءة ما كتبت، اكتشفت أنني كنت أكتب عن انبهاري، عن ارتباكي، عن ضعفي أمام تلك القدرة الخارقة التي تمتلكها النظرة حين تنفذ إلى عمقك دون استئذان. عيناها لم تشبهان شيئا، لأن كل تشبيه سيبدو مبتذلا أمام ذلك الغموض المترف بالحضور. كانت مجازا عن الغياب، عن الانتظار، عن أشياء لم أقلها يوما وظلّت ترقص في داخلي كقصائد لا ينشدها أحد…

كل محاولة لوصفها كانت تقودني إلى فلسفة الحواس، إلى محدودية اللغة أمام التجربة الجمالية. في حضورها، كنت أشعر أن اللغة تصاب بالشلل، وأن الدلالة تتآكل على حواف النظرة. الجمال حين يبلغ ذروته لا يوصف، بل يُتلقى كضربة برق، كصفعة توقظك من سباتك…

في كتابه “الوجود والعدم”، كان سارتر دوما يتأمل في الكينونة من خلال نظرة الآخر، لأن العين تشعرنا أننا نُرى، نُكشَف، نُصبح موضوعا. وعيناها، في لحظة ما، جعلتني موضوعا لذاتي، رأيتني كما لم أرني من قبل، كأنني كنت أحيا دون مرآة، وجاءت عيناها فعرّتني من كل وهم…

قد تكون العينان شرفتان، لكنهما في حالتها كانتا كما لو أنهما غابتان من الضوء، غابتان تتوارى فيهما جميع المفاهيم المألوفة. لا مكان للمنطق حين يتسع البصر أكثر مما يطيق.

أمام هذا الجمال، تسقط كل البديهيات، كل المسلمات الجمالية، حتى أنني بدأت أشك في ذائقتي القديمة، هل كنت أعرف حقا ما الجمال قبل أن أراها؟ أم أنني كنت أراوغ عبر قوالب محفوظة ومقولات مستهلكة؟

كانت عيناها حدثا وجوديا. لحظة تُمتحن فيها الذات بكامل وعيها. وسحرها لم يكن في ألوانها، ولا في انحناء الجفن، بل في ذلك الوميض الميتافيزيقي الذي يربك نظامك الداخلي.

في النهاية، قد لا أُجيد وصف عيناها، لكنني أُجيد الاعتراف أنني لم أعد كما كنت بعدها…

التعليقات مغلقة.