الانتفاضة
يقول الفنان العالمي بيتر بروك:
«المسرح فعل كشف لا يكتمل إلا بحضور الآخر، لأن الخشبة بلا جمهور ليست سوى فراغ، ولأن المعنى لا يولد إلا حين تتقاطع النظرات، وتتصادم الأسئلة، ويغادر المتفرج القاعة وهو أقل يقينا مما دخل.»
في إطار الدينامية الثقافية التي تشهدها الساحة المسرحية الوطنية، تحتضن دار الشباب عين العودة – المركز، مساء السبت 27 دجنبر 2027 على الساعة السادسة مساء، العرض المسرحي «شعلو الضو»، الذي تقدمه فرقة لاكوميدي، بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، في عمل فني جديد يحمل توقيع المؤلف والمخرج الشرقي السروتي.
ويأتي هذا العرض ليؤكد من جديد أن المسرح، حين ينجز بعين فاحصة وحس جمالي صارم، يظل أحد أكثر الفنون قدرة على مساءلة الواقع، وتفكيك اليومي، وإعادة ترتيب العلاقة بين الفرد والجماعة. فـ«شعلو الضو» ليست مجرد فرجة عابرة، بل تجربة ركحية تراهن على الذكاء الجمعي، وتخاطب المتلقي بلغة الإيحاء لا المباشرة، وبالسخرية العميقة لا الضحك المجاني.
المسرحية، التي تجمع نخبة من الممثلين ذوي التجربة والحضور الركحي اللافت، تشتغل على مفارقات الإنسان المعاصر، وعلى هشاشته الداخلية حين يوضع فجأة تحت الضوء. الضوء هنا ليس عنصرا تقنيا فحسب، بل استعارة درامية كثيفة، تستخدم لفضح التناقضات، وكشف المستور، وتعريـة ما اعتاد الأفراد والجماعات إخفاءه خلف الأقنعة اليومية.

الشرقي السروتي، المعروف بخياراته الإخراجية الدقيقة واشتغاله العميق على النص والجسد والفضاء، يقود هذا العمل بمنطق فني صارم، يوازن بين الكوميديا السوداء والتأمل الوجودي، دون الوقوع في فخ الخطاب الوعظي أو المباشرة الفجة. الإيقاع مضبوط، والفرجة محكومة بمنطق الاقتصاد الدلالي، حيث لا فائض في الحركة ولا عبث في الصمت، وكل تفصيلة موضوعة في مكانها بعناية حرفيّة.
من الناحية التقنية، يشتغل العرض على انسجام جماعي لافت بين التمثيل، والإضاءة، والسينوغرافيا، بما يجعل الخشبة فضاء حيا نابضا، لا مجرد سطح للأداء. أما الأداء التمثيلي، فيقوم على تماهٍ واضح بين الممثلين والشخصيات، حيث يتحول الجسد إلى حامل للمعنى، وتصبح النظرة والإيماءة جزءًا من الخطاب المسرحي.
وتأتي هذه التظاهرة المسرحية في سياق الانفتاح على الجمهور الواسع، وإعادة ربطه بالفعل الثقافي الجاد، الذي يجمع بين المتعة الفكرية والفرجة الجمالية. لذلك، توجه الدعوة عامة لكل المهتمين بالمسرح، ولعشاق الفن الرابع، وللشباب والطلبة والفاعلين الثقافيين، لحضور هذا الموعد الفني، والمشاركة في لحظة مسرحية تراهن على التفاعل، وتستمد معناها من حضور الجمهور نفسه.
إن عرض «شعلو الضو» ليس مناسبة للاستهلاك الفني فقط، بل لقاء ثقافي يفتح باب التساؤل، ويعيد الاعتبار للخشبة بوصفها فضاء للحوار، وللمسرح باعتباره فعلا حيا لا يكتمل إلا بالمتلقي. الحضور إلى هذا العرض هو حضور إلى تجربة، إلى مساءلة، إلى لحظة يتقاطع فيها الفن بالحياة، ويصبح الضوء سؤالا مفتوحا، لا ينطفئ بانتهاء العرض.
التعليقات مغلقة.