الانتفاضة // حميد حنصالي
يحلّ الثامن عشر من دجنبر من كل سنة، حاملاً معه ذاكرة أليمة لا تزال حاضرة في وجدان آلاف الأسر المغربية، التي تعرّضت سنة 1975 للطرد القسري من الجزائر في واحدة من أكثر القرارات السياسية قسوة في تاريخ المنطقة المغاربية. ففي لحظة توتر إقليمي، اختارت السلطة الجزائرية آنذاك تحويل الخلاف السياسي إلى إجراء جماعي عقابي، طال مواطنين عزلًا لا ذنب لهم سوى انتمائهم الوطني.
لم يكن المطرودون المغاربة وافدين عابرين، بل عاش كثير منهم في الجزائر لعقود طويلة، وأسهموا في بناء اقتصادها وفي نسيجها الاجتماعي، قبل أن يجدوا أنفسهم فجأة مجبرين على مغادرة بيوتهم وأعمالهم دون سابق إنذار. عائلات فُرّقت، ممتلكات تُركت قسرًا، وكرامة إنسانية دُهست تحت وطأة قرار سياسي اتسم بالتجريد واللامبالاة.
إن ما جرى لا يمكن اختزاله في سياق سياسي ظرفي، بل يرقى إلى مستوى الانتهاك الجسيم لحقوق الإنسان، إذ يشكل الطرد الجماعي للسكان على أساس الجنسية خرقًا صريحًا للمواثيق الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يضمن حق التنقل والملكية وعدم التعرض للنفي التعسفي. ومع ذلك، لم يُمنح الضحايا أي حق في التقاضي أو التعويض، بل جرى إسكاتهم بالصمت والإنكار.
وبعد مرور ما يقارب خمسة عقود على هذه المأساة، لا يزال النظام العسكري الجزائري يرفض الاعتراف بما حدث، متشبثًا بسياسة الإنكار بدل فتح مسار للحقيقة والإنصاف. فغياب الاعتراف لا يمحو الجريمة، بل يضاعف آثارها النفسية والاجتماعية، ويجعل من الذاكرة الجماعية جرحًا مفتوحًا يعيق أي حديث صادق عن المصالحة أو بناء مستقبل مشترك.
ومع ذلك، يحرص المغاربة على التمييز الواضح بين ممارسات السلطة العسكرية الجزائرية وبين الشعب الجزائري الشقيق، الذي تجمعه بالمغاربة روابط تاريخية وثقافية وإنسانية عميقة. وقد شهدت تلك المرحلة مواقف تضامن إنسانية من مواطنين جزائريين تجاه جيرانهم المغاربة، في تعبير صادق عن الفرق بين إرادة الشعوب وخيارات الأنظمة.
إن إحياء ذكرى 18 دجنبر لا يندرج في إطار استحضار الماضي بروح انتقامية، بل في سياق الدفاع عن الذاكرة، والمطالبة بالعدالة التاريخية، والتأكيد على أن الجرائم السياسية لا تسقط أخلاقيًا بالتقادم. فالنسيان القسري لا يصنع سلامًا، كما أن تجاهل معاناة الضحايا لا يؤسس لتعايش إقليمي سليم.
سيظل هذا التاريخ شاهدًا على أن السلطة حين تنفصل عن القيم الإنسانية تتحول إلى أداة قمع، وسيبقى ملف المغاربة المطرودين من الجزائر قضية إنسانية عالقة في انتظار الاعتراف والإنصاف. فالذاكرة ليست عبئًا على المستقبل، بل شرطًا أخلاقيًا لبنائه على أسس العدالة والكرامة واحترام الإنسان.
التعليقات مغلقة.