الانتفاضة // بقلم: عبد المجيد العزيزي // مراسل صحفي ومهتم بالمجال التاريخي
في كل مرة تتلبّد فيها السماء بالغيوم وتهمي الأمطار بغزارة، تستعيد الذاكرة الجماعية معاني الرحمة الإلهية، وتتعالى مشاعر الفرح والأمل، خاصة في مجتمع ارتبط تاريخُه بندرة الماء وتقلبات المناخ. غير أن هذه اللحظة المفعمة بالدلالات الروحية والإنسانية ما تلبث أن تنقلب، في كثير من الأحيان، إلى مشاهد قلق ومعاناة، حين تصطدم نعمة السماء بسوء تدبير الأرض، فتتكشف معادلة غير متكافئة بين كمال العطاء الإلهي وهشاشة التخطيط البشري.
الرحمة في الوعي الديني والتاريخي
لم يكن المطر عبر التاريخ مجرد ظاهرة طبيعية، بل شكّل رمزًا مركزيًا للرحمة والخصب وتجدد الحياة. ففي الوجدان الديني، يُستقبل بوصفه استجابة إلهية، وفي الذاكرة التاريخية كان محددًا رئيسيًا للاستقرار والعمران ونشوء الحضارات. لذلك ارتبط نزوله بالفرح الجماعي والدعاء، باعتباره وعدًا بالحياة والاستمرارية. غير أن هذا المعنى السامي يفقد جزءًا من صفائه حين يُواجه بواقع عمراني عاجز عن استيعاب هذه النعمة.
حين يكشف المطر أعطاب التخطيط
لا يحتاج الأمر سوى ساعات قليلة من التساقطات المطرية ليطفو على السطح ما تراكم من اختلالات في البنية التحتية. شوارع تتحول إلى برك مائية، أحياء تُحاصرها السيول، طرق تنقطع، ومرافق حيوية تتوقف. هذه المشاهد لا تعكس قوة المطر بقدر ما تفضح ضعف الرؤية التخطيطية، حيث تتجلى:
هشاشة شبكات تصريف مياه الأمطار أو غيابها.
البناء العشوائي في مجاري الأودية والمناطق المنخفضة.
تجاهل المعطيات البيئية والتاريخية للمجال عند التهيئة العمرانية.
غياب الصيانة الدورية وتراكم الأعطاب التقنية.وهكذا يتحول المطر من نعمة منتظرة إلى مناسبة لكشف أعطاب صامتة، ظلت مؤجلة أو مُغيّبة.
بين القضاء والقدر والمسؤولية البشرية
كثيرًا ما يُلجأ، عقب الكوارث المرتبطة بالأمطار والفيضانات، إلى خطاب القضاء والقدر. غير أن هذا الخطاب، حين يُستعمل لتبرير التقصير، يُفرغ المسؤولية من مضمونها. فالقيم الدينية، كما تؤكد التجربة التاريخية، لا تُلغي دور الإنسان في الأخذ بالأسباب وحسن التدبير. إن الخلل لا يكمن في المطر، بل في غياب الحكامة، وفي سياسات عمرانية قصيرة النظر، تفتقر إلى الاستباق والتخطيط بعيد المدى.
المدينة في مواجهة التغيرات المناخية
في سياق التغيرات المناخية العالمية، لم تعد الظواهر الجوية القصوى أحداثًا نادرة، بل أصبحت واقعًا متكررًا يفرض تحديات جديدة. والمدن التي لا تُحصّن بنيتها التحتية، ولا تدمج المخاطر البيئية في سياساتها، تظل فضاءات هشّة أمام أول اختبار طبيعي. فالمدينة الحديثة لا تُقاس فقط باتساع عمرانها، بل بقدرتها على حماية ساكنتها وضمان استمرارية الحياة فيها.
نحو معادلة متوازنة بين السماء والأرض
إن إعادة التوازن بين الرحمة الإلهية وفرحة العباد من جهة، وسلامة البنية التحتية من جهة أخرى، يقتضي مراجعة عميقة لأسس التخطيط الحضري، تقوم على:
اعتماد مقاربة استباقية في تدبير المخاطر الطبيعية.
إدماج البعد البيئي والتاريخي في التهيئة الترابية.
ربط المسؤولية بالمحاسبة في إنجاز وتتبع المشاريع العمومية.
الانتقال من منطق التدخل بعد الكارثة إلى منطق الوقاية الدائمة.خاتمة
ليست الأمطار نقمة، ولا الكوارث قدرًا محتومًا، بل هي في كثير من الأحيان نتيجة مباشرة لاختيارات بشرية غير رشيدة. فحين يكون العطاء الإلهي كاملًا في رحمته، ويكون التدبير البشري ناقصًا في استعداده، تختل المعادلة، وتتحول الفرحة إلى محنة. إن شكر النعمة لا يكتمل بالدعاء وحده، بل يتحقق أيضًا ببناء إنسان واعٍ ومدينة تحترم قوانين الطبيعة، وتُحسن التدبير باسم الكرامة والمسؤولية.
التعليقات مغلقة.