الانتفاضة/إلهام الصحفي
في العقود الأخيرة، شهد العالم ثورة رقمية غيرت ملامح الحياة اليومية، وكان التعليم من أبرز القطاعات التي تأثرت بهذا التحول. فقد أصبحت التكنولوجيا جزء لا يتجزأ من العملية التعليمية، حيث انتقلت المدرسة من فضاء تقليدي يعتمد على السبورة والكتاب الورقي إلى بيئة رقمية تفاعلية تستند إلى الحواسيب والألواح الذكية والمنصات التعليمية. فقد كان هذا الموضوع محطة نقاش العديد من الباحثين، فهذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الوسائل، بل مس جوهر العلاقة بين المعلم والمتعلم، وأعاد تشكيل مفهوم المعرفة ذاته، فالتكنولوجيا رغم كل ما توفره من إمكانات، لا يمكن أن تعوض الدور الإنساني للمدرسة. فالتعليم ليس مجرد نقل للمعرفة، بل هو تربية وتواصل وبناء لشخصية المتعلم. فالتكنولوجيا لها إيجابياتها كما لها سلبيات أيضا على المنظومة التعليمية.
ومن أبرز الإيجابيات التي جلبتها التكنولوجيا إلى التعليم، قدرتها على توسيع دائرة الوصول إلى المعرفة. فقد أصبح بإمكان التلميذ، أينما كان، أن يتعلم من أفضل الجامعات في العالم، ويطلع على محتويات تعليمية متنوعة، ويعيد الدرس مرات عدة حتى يستوعبه. كما أن الوسائط المتعددة ساهمت في جعل التعلم أكثر تشويقا، إذ لم يعد التلميذ مجرد متلق سلبي، بل أصبح فاعلا في بناء معرفته من خلال التفاعل مع المحتوى الرقمي. كذلك، وفرت التكنولوجيا أدوات فعالة لتتبع تقدم المتعلمين، مما مكن الأساتذة من تقديم دعم فردي يتناسب مع احتياجات كل تلميذ.
لكن، ورغم هذه الإيجابيات، فإن إدماج التكنولوجيا في التعليم لم يكن خاليا من التحديات، فإذا رجعنا إلى الوراء سنجد أن العديد من الأسر في مجتمعنا المغربي في فترة كوفيد19 عجزت عن توفير الأجهزة أو الربط بالإنترنت لأبنائها بسبب عدم قدرة توفير الهواتف والحواسب الذكية لهم. كما أن الاعتماد المفرط على الشاشات أدى إلى مشاكل صحية ونفسية لدى الأطفال، من بينها ضعف التركيز والعزلة الاجتماعية. إلى جانب ذلك، فإن غياب التكوين الكافي لدى عدد من الأساتذة جعل من استخدام التكنولوجيا أداة شكلية في بعض الأحيان، بدل أن تكون وسيلة فعالة لتحسين جودة التعليم.
في النهاية، يتحمل الآباء دورا أساسيا في حماية أبنائهم من الاستعمال المفرط للأجهزة الرقمية، من خلال وضع توازن صحي بين وقت الشاشة والأنشطة اليومية الأخرى، وتشجيعهم على استخدام التكنولوجيا في التعلم والتطوير بدل الاستخدام العشوائي. ومن المهم أن يواكب الآباء ما يتصفحه أبناؤهم، وأن يتأكدوا من أن المحتوى الذي يصلون إليه مناسب لأعمارهم وآمن، دون أن يشعرهم ذلك بالتقييد أو فقدان الثقة. فالتوجيه الهادئ، والحديث المفتوح، ووضع قواعد واضحة، كلها عناصر تساعد على خلق علاقة صحية بينهم وبين والتكنولوجيا، وتضمن عدم تعرضهم لمواقع أو محتويات غير ملائمة أو قد تؤثر سلبا على سلامتهم النفسية والمعرفية.
التعليقات مغلقة.