الانتفاضة // إلهام أوكادير
على شاكلت اليوم الأول من فعاليات “الدورة الثانية من ملتقى الأعمال لمنطقة التبادل الحر القارية الإفريقية”، تميز اليوم الثاني والأخير من هذا المنتدى ببرنامج حافل، دعّم الأهداف الإقتصادية الإفريقية التي تم تحديدها، مُشكلا جسرا تواصليا لمختلف الفاعلين الاقتصاديين، الذين سجلوا حضورهم ضمنه.
فقد تم افتتاح اليوم الثاني بالكلمة التي ألقاها رئيس الحكومة “عزيز أخنوش”، الذي حضر المنتدى مرفوقا ب “عمر حجيرة” كاتب الدولة المكلف بالتجارة الخارجية، وهي الكلمة التي اعرب من خلالها عن أهمية الأهداف التي جُعل من أجلها منتدى الأعمال لمنطقة التبادل الحر القارية الإفريقية، تحت الرعاية السامية لجلالة الملك “محمد السادس”، والعناية الخاصة التي يوليها للشأن الإفريقي.
كما أكد رئيس الحكومة على أهمية هذا الملتقى الوازن، الذي يعدّ مشروعا حقيقيا للتحول الإقتصادي الافريقي، مشيرا في الوقت ذاته إلى أهمية الأرقام المسجلة في هذا الصدد، والتي أبانت عن ضعف كبير في حجم المبادلات التجارية الإفريقية، مقارنة بالأرقام المحققة في المبادلات التجارية الأروبية، مُتخذا المغرب مثالا لذلك.
في نفس سياق الكلمة الإفتتاحية، عبر “عزيز أخنوش” عن واقع الفجوة التجارية الإفريقية المطروح، بالرغم من التقدم الملموس لمنطقة التبادل الحر بين الدول الإفريقية، الذي يبقى متواضعاً وبسيطا، مشيرا في الوقت ذاته، إلى أن مشروع التبادل الافريقي الحر لا يعد مجرّد جدول زمني لإزالة الحواجز الجمركية، بل منظومة متكاملة لتحرير السلع والخدمات والتنافسية وبروتوكول الإستثمار، إضافة للتجارة الرقمية والملكية الفكرية وإدماج النساء والشباب.
كما جدد عبر كلمته، التزام المملكة المغربية تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس، بضمان كافة الآليات التي تعزز التبادل الحر وتحقق الاندماج المستدام لدول هذه المنطقة، مشيرا إلى مختلف البنيات التحتية كالموانئ والمعدات اللوجيستية التي يضعها اليوم المغرب رهن إشارة 23 من الدول المطلة على البحر وغيرها، إضافة لمختلف المشاريع الضخمة التي من شأنها أن تعزز التكامل التجاري والاقتصادي على غرار مشروع انبوب الغاز المغرب_النيجر، الذي يمتد لستة آلاف كيلومترات، والذي يمر عبر 13 بلدا افريقيا، وهو المشروع الذي وصفه “أخنوش” بالبنية الإستراتيجية، التي من شأنها أن تفتح الباب أمام عمليات تصنيع مشتركة، على غرار الأسمدة، ومواد البناء، والمواد الغذائية.
وبخصوص الشق الأخير من الكلمة الإفتتاحية، فقد نبّه من خلاله “اخنوش” إلى مدى صعوبة تحقيق هذا الإندماج التجاري والصناعي، في غياب حلول فعالة للتمويلات، ما يعطي الأفضلية لدولة المغرب، باعتبار القطب المالي للدار البيضاء، الذي يعتبرا محركا أساسيا للإندماج الإقتصادي، إضافة لمختلف المؤسسات البنكية المغربية ،التي تنشط في أكثر من عشرين دولة إفريقية، فضلا عن انضمام بنك المغرب حديثا إلى نظام الدفع والتسوية إلى عموم إفريقيا، ما يجعل المغرب قادراً على تأمين القروض و تغطية المخاطر لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة.
ولم يخفي رئيس الحكومة تفاؤله الكبير بما قد تحققه منطقة التبادل الحر الإفريقية من نجاح وثورة عالميين، إذ يُرتقب أن يتجاوز حجم التبادلات التجارية الخارجية الاروبية، وذلك بالنظر لعدد الدول الافريقية المنخرطة، وسياسة الإعفاء من الرسوم الجمركية المستقبلية التي ستشمل %97 من مجموع الخطوط التعريفية.
وفي ختام الرسالة، تحدث رئيس الحكومة عن مدى تأثير الاندماج المتكامل لمنطقة التبادل الحر، والتي يُنتظر أن يحقق في أفق سنة 2035، زيادة في حجم الدخل الحقيقي الإفريقي، التي قد تبلغ %7، إذا ما تم تبسيط إجراءات الإستثمار، والغاء الجمارك، وكذا الحواجز التبادلية التي تحيل دون تحقق ذلك، فضلا عن احترام الجداول الزمنية المحددة، مُجددا تذكيره بأن افريقيا موعودة بمستقبل زاهر، إذا ما تم هذا الإندماج بشكل متكامل، وأن المغرب مستعدّ لتحمّل نصيبه الكامل من هذه المسؤولية، تحقيقا لرخاء واستقرار وكرامة إفريقيا، كما دعا جميع الاطراف المعنية إلى العمل على جعل منتدى منطقة التبادل الحر، رافعة حقيقية للتبادل التجاري الإفريقي، بما يخدم المصالح المشتركة للشعوب.
وبعد ختام الكلمة الافتتاحية وما جاءت به من مضامين التعاون والتشارك، قام الرئيس بزيارة تفقدية لرواق عارضي المنتجات، الذي شمل معروضات لمختلف الفاعلين في الشأن التجاري والصناعي على المستوى الإفريقي، ما أزاح الستار عن مشاركة متميزة وغنية للعديد من ممثلي الشركات والتعاونيات، التي وجدت في هذا المنتدى معبرا حقيقيا للتعارف وتبادل الخبرات ونسج شراكات تجارية وصناعية واعدة.
وقد قد خصّ كاتب الدولة المكلف بالتجارة الخارجية “عمر حجيرة” جريدة الإنتفاضة بتصريح، أفاد عبره بداية، بوجود دورة ثالثة لهذا المنتدى، والتي ستنظم بجهة فاس_مكناس، مشيرا في الوقت ذاته إلى أهمية ما جاء في الرسالة الإفتتاحية لرئيس الحكومة، بخصوص عناية الملك “محمد السادس” بالعلاقات المغربية الإفريقية من جهة، وأهمية منتدى منطقة التبادل الحر الافريقي من جهة أخرى، والتي برأيه تمهد لإنشاء سوق إفريقية مشتركة، ما سيمكن الجميع من خلق اقتصاد صلب، ونقلة نوعية في التبادل التجاري والإقتصاد الإفريقي، للتوجه من تصدير المواد في شكلها الخام المعتاد، إلى منتوجات تعتمد بالاساس على التصدير والتصنيع الافريقي.
وجوابا على سؤال: مدى إمكانية الحديث عن إكتفاء ذاتي إفريقي، فقد أفاد ذات المسؤول، بأن الأمر لا يمكن أن يتمّ إلا بالتدريج، مشيراً إلى أنه في أفق سنة 2045، يُنتظر أن يصل حجم المبادلات التجارية الإفريقية إلى ما نسبته %45، ما يفسر حاجة الدول المعنية إلى تكثيف جهودها من أجل بلوغ الأهداف المنشودة، والتي من بينها دعم الدول بعضها البعض لبلوغ نفس القوة الإقتصادية، موضحاً أن مشروع منطقة التبادل الحر بصم على بداية موفقة ومشجعة، في انتظار أن يتّخد بعدا أوسع على المستوى القاري.
وفي الختام، لن تفوتنا الإشارة إلى أنّ اليوم الثاني والأخير من هذا المنتدى الإفريقي، تُوج بالإمضاء على جملة من الإتفاقيات الهامة، التي حملت طابعا تجاريا وصناعيا واقتصادياً، تثمينا للجهود الرامية لابرام شراكات طموحة، كترجمة للمساعي الإقتصادية لهذا المنتدى، لتُسدل ستارته بقراءة برقية الولاء، التي تم التوجه بها إلى جلالة الملك “محمد السادس” نصره الله.
التعليقات مغلقة.