الانتفاضة // إلهام أوكادير
لا يزال الجميع يعيش على وقع فاجعة حي المسيرة بمدينة فاس، والتي انهارت خلالها عمارتين من أربع طوابق، أدت إحداهما لانهيار الأخرى بشكل كامل، هذا الإنهيار الذي كان كفيلا بأن يُنهي حياة 22 ضحية، وبأن يصيب 16 آخرين بجروح بليغة.
هاته الفاجعة التي خطفت أرواح البعض و أنفاس البعض الآخرين، والتي تنضاف إلى سلسلة حلقات انهيار المباني بعدد من المدن العتيقة، إلا أن الأمر هذه المرة، يتعلق بمنطقة حضرية، تعرف العديد من عمليات البناء عشوائية.
إن حادثة الأمس ليست بالمنطقية، ولا بالمتوقعة، حيث أن الأمر يتعلق بانهيار بناية شُيِّدت سنة 2007، وهو الأمر الذي يُحيل من جهة على عدم منطقية انهيار مبنى لا يزال يصنف جديداً، وعلى غرابة عدم انهياره وصموده طيلة هذه المدة لو افترضنا أنّ بناءه لم يكن مُحكما أو مغشوشا من جهة أخرى.
هذه المأساة، التي أودت بحياة العديد من الأسر، والتي خلفت مشاهد تنفطر لها القلوب، والتي اختارت موسم البرد القارس، حيث الجميع مختبؤون في بيوتهم، والليل حيث الجميع متواجدون، ولا عمل ولا دراسة تُجليهم عن مساكنهم، ليضرب لهم القدر موعداً عاجلا لانتهاء آجالهم والرحيل، فمهما تعددت الأسباب والقصص، تبقى الموت واحدة ف: “إنا لله وإنا إليه راجعون”.
لقد تعددت روايات الساكنة المجاورة التي شهدت الحادث، والذين تم إجلاء بعضهم، بسبب الخوف من امتداد الإنهيار إلى المباني المجاورة، والذين أفادوا أن البناية لم تكن بحاجة لأكثر من دقيقتين لترتمي ترابا في الأرض، في حي جديد، تُجرى فيه عمليات البناء بدون تصاميم وبشكل عشوائي، على حدّ تصريح بعضهم، والتي تتجاوز فيه بعض البنايات الخمسة والستة طوابق،
إن ما جرى ليلة أمس لا يخلو بالطبع من التدابير والحكمة الإلاهية التي لا يجد عنها الإنسان حِوَلا، إلا أنها وفي الوقت ذاته، لا تخلو في جزئيات أخرى من وجود المسؤولية القانونية، في حال تبث تورط أي طرف فيها، وهنا تتعدد الإحتمالات.
فنحن نعلم جيدا، بأن أية قصة انهيار مبنى، غالبا ما تتلخص مسؤوليتها في أربعة عناصر، تتمثل أساسا في الجماعات المحلية التي تمنح تراخيص البناء، والمهندس الذي يحدد التصميم الموافق للبناء، والمقاول الذي يتكفل بعملية البناء، والمالك المستفيد من السكن.
فكل فرد من هؤلاء المسؤولين الأربعة تترتب مسؤوليته على جزئية معينة من مراحل تشييد المباني، والتي يجب أن يقوم خلالها بما يلزم وبما يضمن صحة مساهمته الجزئية في إنجاز المبنى.
ففي حالات انهيار المباني على وجه الخصوص، تتجلى الحاجة إلى الوقوف على أسباب الإنهيار، ما يتطلب قيام تقني المصالح المعنية بالمعاينة والخبرة الميدانية، لتحديد السبب أو الأسباب الحقيقية التي أدت إلى انهيار المبنى، وفق تقرير تقني رسمي، تتحدد على إثره الأطراف المسؤولة والمسؤوليات المدنية أو غيرها، المترتبة عن الإخلال الذي تم ضبطه.
فلكل طرف من الأطراف التي ذكرناها، هامش واسع من إمكانية الغش والتلاعب، التي يمكن أن تتخلل أي مبنى، والتي لا يفضحها في الغالب سوى وقوع أحداث مماثلة، تستدعي الفحص و تحديد المسؤولية.
فلو تحدثنا على سبيل المثال عن مصالح الجماعات المحلية، التي يعود لها اختصاص منح تراخيص البناء، بحسب الطبيعة الجغرافية لكل منطقة، فقد نجد في بعض الأحيان أن التلاعب يرسم انطلاقته منها، وذلك حين يتم منح تراخيص لبناء لا يتوافق وطبيعة البنية الصخرية للمنطقة، أو عدم وقوفها على تدابير المراقبة المستمرة لعملية البناء، ومدى توافقها مع ما هو مُرخّص بالفعل، لتتجلى لنا بعد ذلك مسؤولية مهندسي البناء، هؤلاء الذين تعود لهم مهمة إنشاء التصاميم المناسبة لكل مبنى، وشروط التهوية والسلامة التي يجب أن تتوفر في المساكن، آخذين بعين الإعتبار طبيعة الأراضي وشروط البناء، والدعامات اللازمة، وكذا المواد اللازمة لضمان صلابة البناء، فضلا عن عدد الطوابق المسموح بها، وكل ما له علاقة بصحة البناء وسلامته، وهنا تتجلى لنا حساسية هذا الدور، الذي قد يتسبب أي خطأ عقبه بكارثة حقيقية، كونها تمس بأساسات البناء وصحة شكله، وبالتالي وجود العديد من الثغرات، التي يمكن أن يتم التلاعب على مستواها، والتسبب في ما لا يُحمد عُقباه، لا كقدر محتّم، بل كتقصير وغش مقصود.
أما دور المقاول فيترأس بطولة الإحتمالات والمسؤولية، ونعلم جيدا ما أثبتته العديد من الوقائع الماضية من مسؤولية جسيمة، وقّعها منعشون عقاريون، بسبب عدم احترام معايير وشروط البناء، بما يتناسب و تصميم المهندس وتعاليم البناء ومواده، وهنا نتحدث عن عملية الغش في مواد البناء، والتلاعب بالمساحات و التصاميم الداخلية وغيرها، التي قد تتم بين المنعش أو المكلف بالبناء “طاشرون” من جهة، ومالك المسكن أو المهندس من جهة أخرى، ما يضعنا في سياقات لا متناهية من الغش والتزوير وتغيير المعالم والتلاعب، وما يجعل الأدوار متداخلة في بعضها البعض، اتكون بذلك عملية تحديد المسؤولية الفعلية والمباشرة أمراً معقداً.
ولن ننسى حصة المالك أو المتضرر نفسه من المسؤولية القانونية، فبالرغم من أن الضرر غالبا ما يطاله هو بالذات، إلا أنه كثيرا ما يكون طرفا مساهما بل ورئيسيا في حلول الضرر الواقع عليه، وهو ما نجده في الحالات التي يلجأ فيها هو نفسه إلى البناء بدون ترخيص، أو زيادة طوابق إضافية غير مسموح بها، أو التغيير في المعالم الداخلية للسكن أو التصاميم، ما قد يتسبب أحيانا بحالات الإختناق والحريق وغيرها، بسبب إلغاء نافذة، أو مدفأة أو أبواب الطوارء أوفتحات التهوية اللازمة وغيرها من التجاوزات التي يعمد لها والتي ينفذها بنفسه، دون الإكتراث لما قد يتسبب به ذلك من حوادث لا يُعفى من مسؤوليتها كونه متضررا.
وعلى أي، فإن تضارب الأقوال والتصريحات بشأن الأسباب الحقيقية لا زال قائماً، ولم يصدر حتى الآن أي تقرير تقني أو رسمي عن الجهات المعنية بخصوص الأسباب التي أدت إلى الإنهيار الكامل للمبنى، أو على من تقع المسؤولية، سوى روايات السكان التي أفاد بعضها، بأن انهيار البناية الاولى جراء إضافة طابقين جديدين، هو ما أدى إلى الإطاحة بالأخرى المجاورة بشكل كلي، وسط دهشة الساكنة، التي لازالت تعيش على وقع ما حدث، والبعض الآخر الذي يستغرب طبيعة الإنهيار علما أن المنطقة تتميز ببنية صخرية قوية، لا يُنتظر معها مثل كذا انهيار.
وفي انتظار ما ستسفر عنه التقارير الرسمية فيما يلي من الأيام، من تحديدِ للمسؤولين و المساهمين في انهيار هذا المبنى، ندعو الله العلي العظيم، أن يتغمّد أرواح الضحايا الأم.وات بالرحمة والمغفرة، وأن يرزق المصابين والجرحى الشفاء العاجل.
التعليقات مغلقة.