العنف الرقمي مقاربة قانونية و سوسيولوجية نقدية وفق رؤية إستشرافية لحماية الفضاء السيبراني

الانتفاضة // د. الحسين بكار السباعي // محلل سياسي وخبير إستراتيجي

يمثل العنف الرقمي أحد التحولات العميقة التي مست بنية أفعال الإعتداء داخل المجتمع المعاصر، حيث أدى تداخل الثورة التكنولوجية مع التحولات الإجتماعية والثقافية إلى إنتاج أشكال إيذاء تتجاوز الحدود المادية وتضرب في الصميم الهوية الرقمية والرمزية للأفراد.

فالفضاء السيبراني الذي إنفتح على زخم من إمكانات التواصل والتعبير، أصبح في الآن ذاته مجال يتفاقم فيه إنتهاك الخصوصية والإبتزاز والتشهير ونشر الصور الخاصة والمعطيات الشخصية دون إذن، بما يطرح من جديد سؤال الحماية القانونية والضبط الإجتماعي في عالم يتطور تقنيا بوتيرة أسرع بكثير من قدرة التشريعات والمؤسسات ذات الإختصاص القانوني والقضائي والأمني على المواكبة.

لقد عمل المغرب و على إمتداد العقدين الأخيرين، على بناء إطار قانوني تدريجي يلاحق هذا الشكل المستجد من كل أشكل التطاول و الإعتداء، بدءا من القانون 07-03 الذي غير معالم التجريم التقليدي عبر إدخال مقتضيات تهم الولوج غير المشروع إلى الأنظمة المعلوماتية، وصولا إلى القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الذي إعتبر لأول مرة أن نشر أو بث أو تسجيل الصور والمعطيات الخاصة دون رضا صاحبها يعد صورة قائمة للعنف المبني على النوع.

وجاءت الفصول 447-1 إلى 447-3 لتمنح حماية أوسع للخصوصية، من خلال تجريم كل إستعمال للمعلومات أو الصور أو التسجيلات للتحقير أو التشهير أو الإبتزاز، الأمر الذي شكل نقلة نوعية في ضبط الإعتداءات الرقمية.
غير أن الترسانة القانونية و على أهميتها، لا تكفي لإنتاج حماية فعلية ما لم تدعم بآليات إثبات رقمية دقيقة وفعالة.

فالقضاء المغربي يواجه تحدي حقيقي في إسناد الفعل الرقمي إلى فاعله، بسبب إعتماد الجناة على الشبكات الوهمية وخوادم رقمية أجنبية، ووسائل إخفاء الهوية. وقد كرست محكمة النقض هذا الاتجاه في قرارها رقم 992/2019، حين شددت على ضرورة قيام حجج تقنية يقينية تربط المحتوى الرقمي بفاعل محدد. وذهبت محاكم الموضوع، ومنها محكمة الاستئناف بالرباط سنة 2021، إلى إعتبار عدم القدرة على ربط عنوان الـIP بالمتهم سبب لإستبعاد المسؤولية، وهو ما يعكس هشاشة البنى التقنية المشرفة على التحقيقات الإلكترونية، ويبرز الطابع العابر للحدود لهذه الجرائم.
هذا التحدي لا ينفرد به المغرب، بل تتقاسمه حتى الدول المتقدمة. ففي فرنسا نبه تقرير مجلس الشيوخ سنة 2020 إلى الحاجة الملحة إلى تبسيط مساطر التعاون الدولي، باعتبار الأدلة الرقمية كثيرا ما تكون مخزنة خارج التراب الوطني. وفي إسبانيا عدلت المادة 197 من القانون الجنائي لحماية أكبر للحياة الخاصة، حيث جرم نشر الصور حتى وإن تم الحصول عليها بطريقة مشروعة.

أما بريطانيا فقد إعتمدت منظومة متقدمة مثل Malicious Communications Act وDomestic Abuse Act، تمنح للقضاء سلطات واسعة لإقرار أوامر حماية إلكترونية تمنع المعتدي من أي تواصل رقمي مع الضحية، في تناغم بين القانون الجنائي والقانون الأسري يراعي وحدة الفضاء الواقعي والرقمي.

ومن منظور سوسيولوجي، يمكن قراءة العنف الرقمي ضمن ما سماه بيار بورديو «العنف الرمزي»، حيث يمارس الإعتداء دون تماس مادي لكنه يضرب رأس المال الرمزي للفرد، من سمعته وصورته ومكانته الإجتماعية.

كما ينسجم مع مقاربة «الأنوميا الرقمية» لروبير ميرتون، التي ترى أن غياب الضبط داخل الفضاء الإفتراضي يولد شعورا باللاقيود، فيتسع نطاق السلوكات المنحرفة. ويعزز مانويل كاستلز هذه الرؤية من خلال أطروحته حول «مجتمع الشبكة»، الذي تنتفي فيه الحدود بين الخاص والعام، وتتضاعف هشاشة الفئات الأكثر تعرضا لإنتهاك، خصوصا النساء والفتيات.
وتبرز هنا أهمية الفاعل الأمني في مواجهة هذا الشكل الجديد من الإيذاء، حيث أصبحت المديرية العامة للأمن الوطني في المغرب فاعل مركزي في محاربة العنف الرقمي ضد النساء. فقد عملت على تطوير بنيات متخصصة في الجريمة المعلوماتية، تستقبل الشكايات وتنجز التحريات التقنية، وتحجز الوسائط المستعملة، وتنسق مع النيابة العامة في أفق تعزيز أدلة الإثبات.

كما لعبت خلايا التكفل بالنساء ضحايا العنف دور محوري في المواكبة النفسية والإجتماعية والقانونية، فيما أسهمت الحملات التحسيسية في تعزيز ثقافة التبليغ والوقاية.
وعلى المستوى الدولي، إعتبر الإنتربول بأن العنف الرقمي ضد النساء يشكل تهديد عابر للحدود، مما استوجب إحداث برامج متخصصة كمديرية الجريمة السيبرانية ومركز الإبتكار في سنغافورة، إضافة إلى منصة I-FORGE لتأمين الأدلة وتبادل المعطيات بين الدول.

كما أرست الأمم المتحدة من خلال هيئة المرأة والجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان إطار معياري يدعو إلى تجريم العنف الرقمي وتعزيز حماية الضحايا.
إن التحديات المطروحة على المغرب، وعلى باقي الدول لا تقتصر على زاوية التجريم والعقاب، بل تشمل الحاجة إلى تقوية آليات الخبرة الرقمية، وتوسيع مجالات التجريم لتشمل صور حديثة مثل التجسس المعلوماتي، والبرمجيات الخبيثة، وانتحال الهوية الرقمية، وتنشيط التعاون الدولي لضمان الولوج السريع إلى الأدلة المخزنة خارج الحدود.

كما أن الوعي الرقمي للمجتمع يظل شرط جوهري للوقاية، إذ إن جزء كبير من الجرائم يجد جذوره في ضعف الثقافة الأمنية الرقمية لدى المستخدمين.

ختاما، إن التصدي للعنف الرقمي هو مشروع مجتمعي شامل يقوم على تحديث التشريعات، وتطوير القدرات التقنية للأجهزة الأمنية والقضائية، وإعادة بناء منظومة حماية اجتماعية و حقوقية تعلي من كرامة الضحية وسلامتها الرقمية، وتنسجم مع التحولات السيبرانية المتسارعة.

ومادام الفضاء الرقمي فضاء بلا حدود ولا مركز، فإن حماية النساء والفئات الهشة داخله تستوجب رؤية استشرافية تجمع بين القانون والمجتمع والأمن، وتصنع توازن جديد بين حرية التواصل وضمان الكرامة الإنسانية.

التعليقات مغلقة.