الانتفاضة // عبد الرحمن غند
أمام الفضائح التي تتفجر كل يوم، لا يسعنا سوى أن ننبه ونحذر مما يخزنه المستقبل من كوارث لن يسلم منها أحد تدمر الوطن ومن فيه.
فوضعية المغرب اليوم تتجسد في معادلة اقتصادية اجتماعية فاضحة ومرعبة، تتباين فيها الأدوار والنتائج، حيث يقف في قاعدتها الصلبة منتجو الثروة، الذين يمثلون الأغلبية الساحقة من الشعب، وهم القوة المحركة والفاعلة في خلق القيمة والموارد. وعلى النقيض منهم، تتمركز فئة جناة الثروة وموزعيها، التي لا تمثل سوى أقلية محدودة، إلا أنها تعزز وجودها وتسيطر على المشهد بفعل امتلاكها لناصية السلطة، وهو الامتلاك الذي يضمن لها الهيمنة على مسارات التوزيع والاستحواذ.
وبين هاتين الفئتين المتناقضتين، تبرز فئة المراقبين لعملية الجني والتوزيع، وهي فئة محورية كان من المفترض أن تكون صمام الأمان والضامن للتوازن، وتشمل مؤسسات رقابية كبرى كالبرلمان والمجلس الأعلى للحسابات ومجالس الحكامة والمنافسة ومحاربة الرشوة، وفي طليعتها مؤسسة الصحافة.
إن وضعية من وكلت إليهم مهمة الرقابة، ليست متجانسة؛ بل تنقسم إلى مسارين متوازيين يخدمان مصالح متباينة.
فهناك مسار يختار أن يكون سندًا وظهرًا لفئة الجناة والموزعين، يقوم بدور التزكية والتمجيد والتطبيل لمن يمسكون بزمام السلطة والتوزيع، ولا يبتغي من وراء هذا الدعم سوى نصيب في شكل ريع أو امتيازات، أو حتى الرضى عنه، مقابل هذا الاصطفاف.
أما المسار الآخر، وهو المسار الشريف والمسؤول، فإنه يضع عينه على حقوق منتجي الثروة من عموم الشعب، ويكشف بشجاعة عن سوء عملية التوزيع والخلل العميق في استحقاق المنتجين لثمار جهدهم.
هذا المسار الذي يتبنى مهمة الفضح والتعرية لسوء الإدارة والفساد هو من يدفع الثمن باهظًا، فنصيبه من الثروة لا يأتي في شكل ريع، بل في شكل تهديد مستمر، وعقوبات زجرية، وسجن، وتسفيه، وتشهير ممنهج، في محاولة واضحة لكسر شوكته وتكميم صوته.
في هذا السياق، يصبح وضع الصحافة مؤسفًا؛ فبدلاً من أن تعمل كسلطة رابعة ورقيب أساسي، يجد أهلها الصادقون أنفسهم هدفًا مستمرًا لمناورات تهدف إلى الالتفاف على المؤسسات الصحفية والإعلامية عموما ومحاولة تكميمها.
يتم ذلك عبر آليات متعددة؛ إما بابتداع قوانين زجرية تُقيد حرية النشر والتحقيق الصحفي وتجعل القلم تحت طائلة العقاب في كل حين، حيث تُستخدم نصوص قانونية فضفاضة تتعلق بالتشهير أو المساس بالمؤسسات كفخ سهل لجر الصحفيين إلى المحاكم، وتُفرض عليهم غرامات باهظة وتعويضات مدنية مرتفعة لا تهدف فقط إلى معاقبة الفرد، بل إلى إفلاس المؤسسة الإعلامية بالكامل، مما يقطع عنها شريان الحياة. ويصل الأمر إلى حد الاعتقال والسجن المؤقت بناءً على تهم متعلقة بالنشر، وهو تهديد وجودي يدفع العديد من الأقلام إلى الرقابة الذاتية خوفاً من المصير المظلم. وفي المقابل، يتم فبركة مؤسسات صحفية موالية تُغدق عليها الأموال لتصبح واجهة تجميلية للسلطة، تعمل على التطبيل وتوجيه الرأي العام بعيداً عن قضايا الفساد، وتشارك في حملات التسفيه والتشهير الممنهج ضد الصحفيين المستقلين، بهدف إفقادهم المصداقية وتجريد تقاريرهم من أي تأثير.
إن الهدف من حماية هذا التوزيع غير العادل من أي رقابة هو إبقاء الهوة متسعة بين الأغلبية المنتجة والأقلية الجانية، وهو ما يؤدي إلى تضخم مستمر في فئة المنتجين المحرومين، وتقلص في الأقلية المستفيدة، وتتجسد نتائج هذا التباين الاقتصادي والاجتماعي في تآكل الطبقة الوسطى وتحول أفرادها إلى فئة محرومة، مما يفقد المجتمع صمام أمانه التوازني. ويتصاعد الشعور بـالاختناق الاجتماعي والغبن، حيث يرى المنتجون ثمرة جهدهم تُسلب وتُوزع على الأقلية، مما يقوض الثقة في المؤسسات ويضاعف التوتر.
والأخطر من ذلك، أن هذا التضييق لا يقتصر أثره على الجانب الاجتماعي والسياسي، بل يمتد ليقوض الاقتصاد الوطني على المدى الطويل؛ فالصحافة الحرة هي المقياس الحقيقي للشفافية، وعندما تُقمع، تتفاقم ظاهرة الفساد المؤسساتي، ويجد جناة الثروة الفرصة لزيادة هدر الموارد العامة وتحويلها دون خشية المساءلة، مما يؤدي إلى سوء تخصيص الموارد وغياب الكفاءة في الإنفاق العام. هذا الغياب للشفافية يردع بشكل مباشر الاستثمار الأجنبي والمحلي المباشر، حيث يرى المستثمرون أن بيئة العمل تفتقر إلى الأمان في تطبيق العقود وحماية حقوق الملكية الفكرية، ما يدفعهم إلى تفضيل أسواق أكثر انفتاحاً وشفافية، ويزيد من وتيرة هروب رؤوس الأموال المحلية. كما أن قمع الصحافة يمنع النقاش العام الرشيد حول الإصلاحات الاقتصادية الضرورية ويشوه المعلومات المتداولة في السوق، وهو ما يؤدي في النهاية إلى هجرة الكفاءات التي لا تجد بيئة تكافئ الجدارة وتضمن لها المنافسة الشريفة.
هذه المنظومة المتكاملة من القمع الاقتصادي والسياسي تضع المجتمع على حافة الانفجار، حيث يصبح التوتر المتزايد الناتج عن الحرمان النسبي يهدد بفقدان الجميع، من فئات وثروات، وصولاً إلى كيان الدولة برمته، لأن تكميم الصوت الرقيب هو بمثابة حماية لنظام توزيع غير عادل يزرع بذور فنائه بيده.
إن استعادة التوازن في المشهد الوطني، الذي يهدده التباين الحاد بين منتجي الثروة وجناتها وموزعيها، تتطلب بالضرورة إنشاء مؤسسات حقيقية للرقابة بدل التي باتت إما مساندة أو مغيبة. ففي ظل واقع يُقمع فيه الصوت الصحفي الناقد ليحمي نظام توزيع غير عادل، يصبح لزاماً على المؤسسات الرقابية الأخرى، وعلى رأسها البرلمان والمجلس الأعلى للحسابات ومجالس الحكامة والمنافسة ومحاربة الرشوة، أن تتبوأ مكانة الصحافة المغيبة وأن تستعيد وظيفتها الأصلية كصمام أمان للأغلبية المنتجة.
ويكمن المفتاح لاستعادة هذا الدور في التحول الجذري من حالة التواطؤ أو الشلل إلى حالة المبادرة والمساءلة الفعالة.
فيما يخص البرلمان المشلول، لا يمكن لهذا الجسم التشريعي أن يستعيد وزنه الرقابي إلا إذا تحول من مجرد غرفة لتمرير التشريعات إلى منصة حقيقية للمساءلة.
ويتطلب ذلك ديموقراطية حقيقية قادرة على تفعيل الأدوات الرقابية بشكل جدي وفعال، كالتحقيق البرلماني في شبهات الفساد الكبرى المتعلقة بصفقات الدولة والمشاريع العمومية التي يستحوذ عليها المقربون من دوائر الجنى والتوزيع، مع ضمان أن لا تكون هذه اللجان مجرد لجان شكلية بل ذات صلاحيات واسعة وإلزامية لنشر النتائج.
كما يتطلب الأمر وجود برلمانيين شرفاء يتبنون دور “الممثلين الفعليين للمنتجين”، وأن يركزوا جهدهم التشريعي على سن قوانين تضمن الشفافية وتحد من تضارب المصالح وتجفيف منابع الريع بدلاً من الانخراط في صفقات الريع.
إن استعادة استقلال قرار البرلماني عن نفوذ السلطة التوزيعية هو أول خطوة نحو استعادة ثقة الشعب في هذه المؤسسة.
أما المجلس الأعلى للحسابات ومجالس الحكامة، ومؤسسات مكافحة الرشوة، ومجالس المنافسة، فيجب أن تنتقل من هيئات استشارية أو تقنية إلى هيئات ذات سلطة تنفيذية وإلزامية في قراراتها، بعيداً عن أي تبعية إدارية أو سياسية. يتطلب إحياء دور هذه المجالس ضمان الاستقلالية التامة في التعيين، بحيث لا تكون قياداتها مجرد امتداد لأجهزة السلطة التنفيذية، بل شخصيات مشهود لها بالنزاهة والكفاءة والجرأة في مواجهة مراكز النفوذ. ويجب أن تكون تقارير هذه المجالس تقارير واجبة النشر ومرفقة بتوصيات ملزمة التنفيذ، وأن تمتلك الصلاحية لـإحالة ملفات الفساد وتضارب المصالح مباشرة إلى القضاء دون المرور بموافقة الحكومة أو أي سلطة تنفيذية.
كما يجب عليها أن تتخذ زمام المبادرة في فحص سلاسل توزيع الثروة وكشف الاحتكارات والسلوكيات المخلة بالمنافسة التي تخدم فئة قليلة على حساب الأغلبية المنتجة، مستثمرة في ذلك التقنيات الحديثة وتحليلات البيانات. إن تعاون هذه المؤسسات مع أي صوت صحفي أو مدني هو عامل حاسم في خلق جبهة رقابية صلبة. فاستعادة الدور الرقابي لهذه المؤسسات ليس ترفاً مؤسساتياً، بل هو ضرورة وجودية للحيلولة دون أن يؤدي التضخم المتزايد لفئة المنتجين المحرومين واتساع الهوة إلى الانفجار الذي يهدد كيان الأمة وثرواتها.
التعليقات مغلقة.