الانتفاضة // توفيق بوعشرين
أحيانًا يسقط الكلام عاجزًا أمام الألم الإنساني الخالص…
وأحيانًا يصبح التعاطف موقفًا
والكتابة شهادة
والصمت تواطؤًا.
هذا نصّ يوجع القلب لأنه يفضح ما صار معروفا : قلوبٌ قاسية في مواقع القرار،
وامرأة شجاعة تقاتل على جبهتي المرض والظلم…
شيخ بلغ من العمر عتيا يضرب عن الطعام لاقناع المحكمة بتطبيق القانون
إليكم القصة كما هي، بلا رتوش، وبأعمق ما يمكن من احساس .
كتبت زوجة الزميل حميد المهداوي بشرى الخونشافي من داخل غرفة العلاج الكيماوي من مرض السرطان هذا الصباح النداء التالي:
اعتذار
(من داخل غرفة العلاج الكيماوي، أعتذر لزوجي الغالي، ورفيق دربي، وأبو أولادي، الصحافي حميد المهداوي، عن عدم قدرتي على مرافقتك لحضور جلسات المحاكمة الخمس، التي كنت أتمنى أن أكون جزءاً منها.
ولكن… الله غالب.)
ماذا بوسع المرء أن يقول بعد هذا النداء الذي يوجع القلب والروح، لمن مازالت فيه روح إنسانية تشعر بآلام الآخرين وتحسّ بوجع أسرة موضوعة منذ سنوات في (الكوليماتور)
هي وغيرها.
وكل ذنبها أن واحداً من الأسرة اختار مهنة البحث عن المتاعب، مهنة إيصال صوت من لا صوت لهم…في بيئة معادية تماما لحرية الصحافة …كما راينا صورة وصوتا من غرفة عمليات طبخ المؤامرات في مجلس مجاهد..
لا أدري كيف يعيش وزير العدل عبد اللطيف وهبي—الذي تخصص طيلة ولايته الحكومية في الزج بالصحافيين وراء القضبان—مع ما تقاسيه السيدة الفاضلة بشرى ، التي ناضلت لسنوات من أجل حرية زوجها عندما كان وراء القضبان، والآن تناضل بشجاعة نادرة وراء أنابيب الكيماوي للتغلب على المرض والانتصار للحياة، من أجل الأبناء الصغار، أولاً وربما أخيراً…
لقد جفّت ينابيع الإنسانية من نفوس القوم، وقضى فائض السلطة لدى السلطة على إحساسها بآلام الآخرين، حتى لم تعد تنظر إليهم كبشر، بل كقطع شطرنج على رقعة لا رحمة فيها…
حتى عندما تدخل إلى الغابة، ليس شرطاً أن تصير من فصيلة آكلي لحوم البشر…
يسعفني اليأس من هؤلاء القوم، ولا يسعفني الأمل في التفاتة إنسانية لمن يعاني ولمن يتألم.
هذه امرأة تخرج مع زوجها صباحاً من البيت؛ هو إلى قفص الاتهام في المحكمة، وهي إلى سرير( الشيميو )في المستشفى الكيماوي دواء يأكل من الروح اكثر مما يدمر من خلايا مريضة وتلك قصة اخرى يرويها من عاشها او عاش قريبا من ضحاياها .
وهذا شيخ تنتهي مدة عقوبته وراء القضبان في سجن العرجات ، ويجد نفسه مضطراً لخوض إضراب عن الطعام لإقناع المحكمة بوجوب الدمج بين عقوبيتين ما عادت تدمج تلقائياً لأن صاحبها اسمه محمد زيان.
يكون الكلام حيث يكون الألم، يقول جاك لاكان.
لكن ما لم يقله المحلل النفسي الشهير هو أن الألم يبقى… والكلام يذهب سدى .
التعاطف مع الآخرين ليس دائماً فطرة بشرية؛
إنه مهارة تُكتسب بالجهد والتمرين والقرب من الآخرين.
وللأسف، هذا امتحان لا يربح فيه إلا القليل من الناس الذين لا يعزلون أنفسهم في فقاعات “آمنة” بتأثير من السلطة والمال والنفوذ،
وحدهم الذين لا يجردون الآخرين من صفتهم البشرية، يظلون —رغم الخلاف مع خصومهم—ينظرون إليهم كبشر من لحم ودم وروح ومشاعر، وحرمة جعلها الله تعالى أعظم من حرمة الكعبة…
بشرى، لا تعتذري.
البلاد كلها هي من يجب أن تنحني أمامك وأمام سرير علاجك ومحنتك، وتعتذر لك لأن من يتولون السلطة فيها اليوم بلا قلب ولا إحساس ولا تعاطف.
التعليقات مغلقة.