طحن الورق وطحن الشعب

الانتفاضة // محمد الغلوسي

أخطر طحن ليس هو طحن الورق بل طحن الشعب من طرف من يُفترض فيه انه يمثله ويدافع عن مصالحه وحقوقه ،استفاق معارضو آخر زمان في الأيام الأخيرة من عمر حكومة الأوليغارشية المالية وتحولوا فجأة إلى معارضين شرسين يطرحون امام الكاميرات قضايا كان بإمكانهم طرحها داخل الأغلبية الحكومية والبحث عن حلول لها عوض اختيار منبر البرلمان للمزايدة على أطراف داخل الحكومة والتنصل من كلفة التدبير .

فهذه الأخيرة هي المعنية بشكل مباشر بتلك الإشكالات والملفات وإلا فإن السؤال المطروح هو من يخاطب هؤلاء فعلا ؟

ومن المعني برسائلهم وهم جزء أساسي من أغلبية تدبر الشأن العام وهي المعنية بكل القضايا بما في ذلك موضوع الدعم العمومي وصندوق المقاصة وغيرها ؟؟

ولماذا اختاروا هذه الظرفية ليلعبوا دور المعارضة ودغدغة عواطف الشعب ؟

وهل يمكن أن يحضى هؤلاء حقا بشرف المعارضة وهم مستفيدون من امتيازات السلطة وغارقون في الفساد والريع ؟

لايجب أن ننسى أن من بين هؤلاء من يسير مدنا أغلبها غارق في التخلف والفقر والبطالة وبدون بنيات تحتية ولاتنمية ولا خدمات عمومية ،مدن تم طحنها طحنا لعقود من الزمن بسبب فسادهم وخدمة مصالحهم ومصالح ذويهم وزبنائهم واستغلال مواقع المسؤولية لمراكمة الثروة ،وظهرت على وجوههم آثار النعمة فيما البؤس يخيم على مدنهم المطحونة تتجول فيها الكلاب الضالة إلى جانب العربات المجرورة والمختلين عقليا في واضحة النهار.
هذه المعارضة الطارئة اليوم هي نفسها التي سكتت بل وعارضت بشراسة تجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح ورفضت إخراج كل القوانين التي بإمكانها أن تضيق فجوات الفساد ،وهي نفسها التي “طحنت “المؤسسات وفي مقدمتها مؤسسة البرلمان التي استغلتها لتمرير قوانين تحصن الفساد وتوسع دائرة التضييق على الحريات والحقوق وتجعل مجرد النقد او التشكيك تشهيرا ،نخبة “طحنت “المحكمة الدستورية ورفضت أن تحيل عليها قانون المسطرة الجنائية الذي يحصن نفس النخبة من المحاسبة “وطحنت ” النيابة العامة عندما سمحت للإدارة بالتطاول على سلطتها وصلاحياتها في السياسة الجنائية وهي بسلوكها هذا تطحن الدستور وكل التراكمات الحقوقية ،وهي نفس النخبة التي طحنت مؤسسات الحكامة وحولتها إلى مؤسسات صورية ،وهي التي طحنت القدرة الشرائية ورفعت الاسعار وتركت آيت بوكماز وغيرها من المناطق في عزلة تامة كما تركت ضحايا الزلزال في العراء بعد مرور أزيد من سنتين ،وطحنت الفقراء بجعل الثروة تسيطر عليها فئة قليلة فيما توزع الفتات المسمى دعما على ضحايا سياساتها الاجتماعية والاقتصادية.

هذا هو الطحن الحقيقي والخطير.
ياسادة إن العاهرة لايمكنها أن تحاضر في الشرف !

التعليقات مغلقة.