ثقافة الولاية الطويلة الأمد وأزمة التداول الديمقراطي (قراءة نقدية في أزمة الزعامة داخل الأحزاب المغربية من منظور التفكير النقدي التوقعي)

الانتفاضة // مصطفى المانوزي

لكل ظاهرة وجه آخر، حتى الديمقراطية الحزبية التي تُختزل اليوم في طقوس التصويت وشعار “الجمهور عايز كده”. لكن خلف هذه القشرة الشكلية تختفي أزمة أعمق: غياب التداول الديمقراطي الحقيقي داخل الأحزاب، وتحول الزعامة إلى مقام أبدي لا يغادره صاحبه إلا مكرها أو بالوفاة السياسية.
ما الذي يوجد في الزعيم ولا يوجد في غيره حتى يُمدَّد له ثلاث مرات؟ في الواقع، لا يتعلق الأمر بتفوق موضوعي أو كفاءة خارقة، بل بفراغ مؤسسي منظم يجعل الحزب يدور حول شخص واحد بدل أن يبني تقاليد مؤسساتية قادرة على إنتاج الخلف. فالزعيم لا يُجدد نفسه بنفسه، بل تجددُه شبكات الولاء، والخوف من المجهول، وكسل القواعد التي تخلط بين الاستقرار والاستسلام ؛ وفي كثير من الحالات، تُختزل الممارسة الديمقراطية الداخلية في صفقة غير معلنة: “أعطيك صوتي مقابل ضمان ترشيحي للبرلمان أو تعييني في منصب”. بهذا المنطق تتحول المشاركة السياسية إلى سوق ولاءات، ويتحول التصويت إلى عمل تبادلي يفقد معناه الأخلاقي والسياسي معًا. فالزعيم الذي يتحكم في مفاتيح الترشيح والتزكية، يملك فعليًا سلطة الإبقاء والإقصاء، وهو ما يجعل “الانتخاب” مجرد طقس لتأكيد الهيمنة لا لتداولها.
ويتعزز هذا النمط أكثر حين تتداخل موازين القوة التنظيمية مع شبكات النفوذ الانتخابي، فـمن يهيمن على المجالس المنتخبة، الجماعية أو الإقليمية أو الجهوية، يسيطر في الغالب على التنظيم الحزبي المحلي أو الجهوي أيضًا، لأن منطق الريع الانتخابي يغلب على منطق الشرعية التنظيمية، وهكذا يصبح من يدبر المجالس هو من يختار القواعد ويفرض القيادات، فتغيب الديمقراطية من داخل الحزب كما تغيب من محيطه.
إن القول بأن “المناضلين صوتوا له” لا يُخفي حقيقة أن التصويت في غياب بدائل حقيقية يفقد معناه الديمقراطي. فحين تغيب آلية إعداد القادة، ويُصادر حق النقد والمساءلة، يصبح التصويت مجرد طقس لتزكية الواقع لا لتغييره. والأخطر أن التمديد المتكرر يقتل الخيال التنظيمي ويفقر الحياة السياسية من الطاقة التجديدية التي تمنحها القيادات الجديدة ، فلا تداول من دون استعداد للتنازل، ولا ديمقراطية داخلية من دون إيمان بأن القيادة تكليف لا تشريف، ومسؤولية لا ميراث.
قد يُعتقد أن هذا النمط من التمديد محصور في بلدان العالم الثالث، لكنه في العمق ظاهرة كونية تختلف فقط في الوسائل والذرائع. ففي الجنوب، تقوم على الولاءات الشخصية والخوف من الانقسام وضعف المؤسسات، والزعم أن الدولة مطمئنة للزعيم وبأنه رجل المرحلة الإنتقالية ؛ وفي الشمال تتجلى عبر الهيمنة الإعلامية والتكنولوجية التي تخلق قادة “أبديين” في الذاكرة الجماعية دون حاجة إلى تعديل القوانين. في الحالتين، تتغذى الظاهرة من أزمة الخيال الديمقراطي: الخوف من المجهول وفقدان القدرة على تخيّل مؤسسات تسير بذاتها دون “منقذ” أو “أب سياسي”.
من منظور التفكير النقدي التوقعي، لا يمكن قراءة أزمة التداول إلا بوصفها عطبًا في القدرة على استباق المستقبل. فحين يعجز الحزب عن إنتاج خلف، فهو في الحقيقة يعجز عن تخيّل غدٍ مختلف. وهنا يصبح تجديد القيادة فعلًا استراتيجيًا يتجاوز الأشخاص، لأنه يعيد وصل الفعل السياسي بالمعنى، ويحوّل التنظيم من مجال لتدبير الولاء إلى فضاء لإبداع البدائل.
التفكير النقدي التوقعي لا يكتفي بتشخيص التمديد كأزمة، بل يدعو إلى تحويلها إلى فرصة لإعادة بناء المشترك الحزبي، عبر تحرير الطاقات، وتدوير المسؤوليات، وربط الزعامة بالزمن لا بالأبدية. فالتداول ليس مجرد تناوب في المواقع، بل تحوّل في الوعي الجمعي نحو إدراك أن الديمقراطية لا تُختزل في التصويت، بل تبدأ به. وفي آخر التحليل لابد من إستحضار العياء السياسي والوهن الفكري الذي يصيب الهيئات الحزبية نصف أعضائه مجرد رحل ووكلاء انتخابيين ، لا يستقرون على حال إلا بتوجيهات من نزوات السلطة أو مقتضيات بورصة قيم المنافع وزبونية الولاءات.

التعليقات مغلقة.