الإنتفاضة : ✍️ محمد السعيد مازغ
حين رأيتُ أطعمةً ملقاةً في الطريق، عادت بي الذاكرة إلى “عام البون” بين 1944 و1945، حين عانى المغاربة من المجاعة والأوبئة بسبب الجفاف وإجراءات الحماية الفرنسية. ورغم القحط، كان الناس قنوعين، يبتعدون عن الطمع والشبهات، ويؤازر بعضهم بعضًا.
تذكّرتُ العامل الذي ودّع الفقر بامتهانه السياسة، وتقلّده مهمة فتحت له أبواب الثراء. نمت ثروته سريعًا، وتكاثرت أرباحه وعقاراته، وتشعّبت علاقاته وأتباعه، وانغمست أصابعه في نهب المال العام فتلطّخت، وفي يوم مشهود.. سقط القناع ، فافتُضحت معاملاته، وتناقل الناس سيرته همسًا وجهرًا. انفضّ الأصدقاء من حوله، وتنكّرت له الهيئات التي كانت بالأمس تقتات من خيراته، وأُغلقت الأبواب واحدًا تلو الآخر، إلا بابًا من حديدٍ وفولاذ، عليه حُرّاسٌ شداد لا يعترفون بالجاه ولا بالأصول.
غير أن هناك بابًا آخر، لا يُطرق إلا حين تسقط الأقنعة كلها، ولا يلجه إلا من علّق قلبه بالطهر والنقاء، وآمن بموعد اللقاء. إنه باب التوبة الذي لا يُغلق في وجه التائبين الذين برئت ذممهم، ما دامت في القلب نبضة ندمٍ ووميضُ رجاء.
أفٍّ من ملذّاتٍ لا ترفع بصاحبها الرأس، ولا تُصفّي ذمّته مع الله قبل الناس. ما قيمة الذهب والهكتارات من الأراضي والسيارات الفارهة، إن لم تُغنِ صاحبها ساعة الرحيل؟ ماذا يفيد بناء مسجد أو ضريح او تسمية شارع باسمه إذا ما “رفعت الأقلام وجفت الصحف”
يوم تتلاشى البهرجة، وتخبو الأضواء، فلا تابعٌ ولا متبوع، ولا ظالمٌ ولا مظلوم، بل نحن جميعًا سواء أمام الحقيقة الكبرى، حيث لا يبقى إلا العمل الصالح، ووجهُ الله الباقي بعد فناء كلّ من عليها.

التعليقات مغلقة.