الطاكسيات أم التطبيقات الذكية .. من يربح معركة شوارع المغرب؟

الانتفاضة // نور الهدى العيساوي

في السنوات الأخيرة، أصبح مشهد النقل الحضري في المغرب يعيش على إيقاع صراع صامت لكنه محتدم، بين سائقي سيارات الأجرة المهنيين ومستعملي التطبيقات الذكية أو ما يسمى ب “إن درايف”، التي أضحت تقدم هذه الخدمة بشكل مباشر و أكثر سلاسة.

فهذا الصراع لم يعد مجرد تنافس مادّي، بل تحول إلى قضية إجتماعية وقانونية، تمس ببنية السوق ومفهوم العدالة الإقتصادية، وأيضًا حرية المستهلك في اختيار الخدمة التي تناسبه.
القانون في مواجهة الواقع
لقد أصدرت وزارة النقل والتجهيز مؤخرًا، قرارًا يمنع أي ربط بين السائقين والركاب عبر هذه التطبيقات الذكية، التي لا تتوفر على أية تراخيص قانونية، وهو القرار الذي جاء في سياق تصاعد شكاوى المهنيين التقليديين، الذين يرون في هذه التطبيقات منافسة غير مشروعة، كونها لا تخضع لنفس الشروط الإدارية والضريبية التي تفرضها الدولة على “الطاكسيات” الصغيرة والكبيرة.
فمن الناحية القانونية، يعتبر القرار إستمرارًا لنهج الوزارة في تنظيم القطاع وحماية الإطار القانوني الحالي، إلا أنه ومن ناحية أخرى، يثير هذا المنع نقاشًا واسعًا حول مدى مواكبته للتحولات الرقمية التي يعرفها العالم، وحول قدرة القوانين القديمة على إستيعاب أنماط جديدة من الإقتصاد الرقمي.
المستهلك بين الراحة والإلتزام
لقد وجد المستهلك المغربي نفسه في قلب هذا الجدل، فالكثيرون أصبحوا يفضلون التطبيقات الذكية لما توفره من سهولة في الحجز، وشفافية في الأسعار، وسرعة في الخدمة، إلى جانب الإحساس بالأمان بفضل تتبع الرحلة وتقييم السائق، حيث وفي المقابل، يعاني مستعملو “الطاكسيات” التقليدية من غياب التعريفات الموحدة، وصعوبة العثور على وسيلة نقل في أوقات الذروة، وأحيانًا من ضعف جودة الخدمة.
لكن، وبعد قرار المنع، بات المستهلك أمام معادلة صعبة: فهل يلتزم بالقانون ويعود إلى الوسائل التقليدية، أم يغامر باستخدام التطبيقات التي تعتبرها السلطات “غير قانونية”؟ هذه الوضعية تكشف فجوة بين التشريع وواقع السوق، وبين ما يريده المواطن وما تسمح به القوانين الحالية.
التحول الرقمي ومأزق المهنة التقليدية
لا يسعنا أن ننكر ما يعيشه قطاع النقل من تحولات عميقة بفعل الثورة التكنولوجية، فالتطبيقات الذكية ليست مجرد “خدمة إلكترونية”، بل إنها تمثل نموذجًا جديدًا للإقتصاد التشاركي، حيث يلتقي العرض والطلب مباشرة دون وسطاء، غير أن هذا النموذج، يصطدم في المغرب بواقع إداري وتنظيمي متشعب، وبمهنة تقليدية تُعتبر مصدر رزق لآلاف الأسر.
فسائقوا الطاكسيات يدافعون بشراسة عن مكاسبهم، معتبرين أن فتح الباب أمام التطبيقات سيؤدي إلى تدمير مهنتهم وإغراق السوق بفوضى النقل، بينما يرى الشباب ورواد الأعمال، أن المنع يقتل فرص الاإتكار ويغلق الباب أمام إقتصاد رقمي، كان يمكن أن يوفر مناصب شغل جديدة ويطوّر الخدمات.
بين الإصلاح والإنغلاق
الحل لا يكمن في المنع وحده، ولا في تحرير السوق بشكل مطلق، بل في البحث عن صيغة وسطى تُوازن بين حماية المهنة التقليدية وتشجيع الإبتكار.

فيمكن للدولة مثلاً، أن تضع إطارًا قانونيًا يدمج التطبيقات الذكية ضمن المنظومة الرسمية، مع شروط تضمن العدالة الضريبية والمهنية، وتراقب الأسعار وجودة الخدمة.

كما أنّ التجارب الدولية أظهرت أن التعايش بين الطاكسيات التقليدية والتطبيقات الذكية ممكن، إذا توفرت الإرادة السياسية والمرونة التشريعية، خاصة وأنّ المستهلك في النهاية، لا يهتم سوى بجودة الخدمة، وأمان الرحلة، والسعر المقبول.

فبين القانون وحرية الإختيار، يقف المواطن المغربي مترددًا، بينما تواصل التكنولوجيا تحدي الحدود التقليدية للقطاعات المهنية.

فقرار وزارة النقل قد يكون إجراءً مؤقتًا لحماية التوازن، لكنّه لن يوقف الموجة الرقمية التي تغير ملامح النقل الحضري في العالم، إلا أنّ المطلوب اليوم، هو رؤية إصلاحية شاملة تعترف بواقع السوق، وتستثمر في التحول الرقمي بدل مقاومته، لأن المستقبل، ببساطة، يسير على عجلات التكنولوجيا.
و يبقى السؤال مطروحاً:
هل ستكتفي السلطات بالمراقبة والمنع، أم ستفتح الباب أمام نموذج حديث ومنظّم، يحقق التوازن بين الإبتكار والعدالة الإجتماعية؟

التعليقات مغلقة.