الانتفاضة // حسن أتراس
حين امتلأت الشوارع بالحجارة والزجاج المحطم وبقايا الغضب، لم يكن أول من تحرك لإصلاح ما أفسدته الأحداث هم السياسيون ولا حتى المسؤولون…
بل كانوا عمال النظافة..
شرعوا في تنظيف الشوارع من مخلفات التخريب، وكأنهم يمسحون آثار جرح عميق تركه الاحتقان.
عمال النظافة رجال بسطاء، بلباسهم البرتقالي أو الأخضر أو حتى الأزرق لا يهم، يجرّون المكانس والحاويات، يمسحون الأتربة، ويجمعون بقايا الغضب المحترق.
هؤلاء البسطاء نظفوا، أصلحوا، ولم يشتكوا.
بينما السياسيون والمسؤولون الأعلى أجرًا والأكثر امتيازًا ، ظلوا في دفء بطانياتهم، بعيدين عن الشارع، بعيدين عن الغضب، بعيدين حتى عن المسؤولية.
الذين يتقاضون الفتات رمموا صورة المدن، والذين يلتهمون الميزانيات غابوا في صمت مريب.
لم يسألوا من خرب ومن احتج، لم يرفعوا شعارات، ولم ينتظروا كاميرات.
نزلوا إلى الميدان ليمسحوا آثار الفوضى ويعيدوا لإنزكان و وجدة وجههما الطبيعي.
بينما اشتعل النقاش حول مسؤولية الدولة، و تدخلات الأمن، ومطالب الشباب، و غياب الحكومة كان هؤلاء العمال يشتغلون في صمت مطبق.
عملوا طوال الليل و ساعات الصباح الباكر ، كي لا نستيقظ على مدينة تتحول إلى مكبٍّ للنفايات والحجارة والزجاج المكسور.
إنها مفارقة قاسية.. الذين يتقاضون أقل الأجور، ويعيشون أصعب الظروف، هم أنفسهم من أعطوا الأمل في التنظيف و الإصلاح.
المغرب يبنى بعرق البسطاء لا بقرارات المتنعمين.
عمّال النظافة أعطوا درسًا صريحًا في المواطنة أكثر مما فعلت خطب السياسيين وشعارات الأحزاب.
التعليقات مغلقة.