جيل “زد” : حين تحترق المطالب تحت دخان التخريب !

الانتفاضة // نور الهدى العيساوي

في زمنٍ أصبح فيه جيل “زد” (Generation Z) في واجهة المشهد، جيلٌ لا يتجاوز عمره في أغلبه الثلاثين.عاماً، يخرج اليوم إلى الشارع باحثاً عن الحق في الكرامة، التعليم، الصحة، والعدالة الإجتماعية، غير أنّ أصواتاً مشروعة، كان من الممكن أن تهزّ الضمائر وتُحرّك الإرادات السياسية، سرعان ما تخفوا تحت ركام الزجاج المكسور والممتلكات المحروقة.
فَحين يتحوّل الغضب إلى تخريب، تفقد القضية جوهرها، وتتحوّل من مطلب إنساني إلى ملف أمني، و تلتقط عدسات الإعلام صوراً لشباب يحطمون الممتلكات العامة أو يحرقون سيارات خاصة، فإنها بذلك لا تنقل صرخة المعاناة، بل تنقل رسالة أخرى: رسالة عنف وفوضى، قد تكون بعيدة كل البعد عن النوايا الحقيقية للأغلبية الساحقة من جيل “زد”.-بين الغضب والحق
لا يمكن لأحد أن ينكر بأن هذا الجيل يعيش أوضاعاً صعبة، شباب يرى أحلامه تتبدد أمام إرتفاع تكاليف المعيشة، بطالة خانقة، خدمات صحية وتعليمية متعثرة، وفجوة إجتماعية متسعة، بعدما أحبطتهم وعود سياسية متكررة.
ففي ظل هذه الظروف، يصبح الغضب حالة طبيعية، والإنفجار إحتمالاً وارداً، إلا أن التساؤل الذي يطرح نفسه و بشكل جلي يبقى، هل يمكن تبرير التخريب باعتباره شكلا من أشكال للإحتجاج؟
المؤكد أن التخريب لا يخدم إلا من يريد طمس القضية، لأن الممتلكات العامة التي يتم تدميرها هي ملك للجميع، وهي أصلاً جزء من حق هذا الجيل، فعندما تُحرق حافلة، أو يُكسر مرفق صحي، فإن أول المتضررين هو ذاك المواطن نفسه، الذي يطالب بتحسين الأوضاع و يساهم في ترديها في الوقت ذاته.
-قوة جيل رقمي
ما يميّز جيل “زد” ليس فقط شبابه، بل كونه أول جيل وُلد في عصر الإنترنت، جيل يعرف كيف يحوّل هاشتاغ واحد إلى حملة عالمية، وكيف يوصل رسالته إلى أبعد نقطة عبر هاتفه و دون أن يغادر مكانهه. حيث و من خلال تجارب عديدة عبر العالم، استطاع هذا الجيل أن يفرض قضاياه عبر وسائل مبتكرة: إعتصامات سلمية، حملات مقاطعة، مبادرات شبابية، وفن إحتجاجي حوّل الشارع إلى مسرح تعبيري.
هذه القوة الناعمة التي يمتلكها جيل “زد”، هي أعظم بكثير من أي لحظة غضب تدفعه إلى التخريب، إنها قوة تضعه في موقع القيادة العالمية، جيل يُصنع عبره الرأي العام الدولي، ويستمع إليه صناع القرار. فلماذا يختزل نفسه في صُورٍ قد تسيء إلى تاريخه ونضاله؟
-بين الإعلام والدولة
الإعلام هنا يلعب دوراً حاسماً، فحين يوجه تركيزه فقط على مشاهد التخريب، فإنه يُلغي حقيقة أن آلافاً من الشباب خرجوا سلمياً يطالبون بحقوق مشروعة، إذ أنه وفي مقابل ذلك، حين تصر الدولة على المعالجة الأمنية وحدها، فهي تسقط في فخ تصنيف الشباب كتهديد بدل اعتبارهم طاقة خلاقة.
جيل “زد” ليس خطراً على الإستقرار، بل هو طوق نجاة للمستقبل، إنه جيل يحمل بين يديه مفاتيح التغيير، لكنه يحتاج إلى فضاء يُسمع فيه صوته، وإلى سياسات تراعي طموحه، وإلى منابر حوار تجنبه الإنزلاق إلى العنف.
-مستقبل الصورة
إن أكبر خسارة قد يتعرض لها هذا الجيل، ليست فقط الإعتقالات أو العقوبات الصارمة، بل أن يتم تشويه سمعته في أعين المجتمع والعالم، أن يُنظر إليه على أنه جيل تخريب، بينما هو في الأصل جيل إبداع، تكنولوجيا، ووعي رقمي متقدّم.
الإحتجاج حق، والغضب مشروع، لكن التخريب يسرق من “جيل زد” قوته الحقيقية، فما بين الشارع والفضاء الرقمي، و ما بين الهتاف والهاشتاغ، يملك هذا الجيل فرصة تاريخية ليعيد رسم صورته: صورة شباب يعرف كيف يثور بذكاء، وكيف يفرض مطالبه دون أن يترك خلفه أنقاضاً، بل أثراً عميقاً في التاريخ.

جيل “زد” اليوم كالشجرة الفتية: جذورها مغروسة في أرض العناء، وأغصانها ممدودة نحو سماء الأمل، تعاني عطشا مُجحفا و ترتقب أن تُروى بماء الحوار لتثمر، لا إلى نار التخريب التي قد تحرقها قبل أن تكبر.

فالتاريخ لا يذكر فقط المطالب، بل أيضاً الوسائل التي رُفعت بها تلك المطالب، ليتجلى لنا السؤال الجوهري الذي سيظل مفتوحاً: هل سيُكتب عن جيل “زد” أنه حطم زجاجاً… أم أنه حطم قيوداً؟

التعليقات مغلقة.