فتى أكوا المدلل ؟

الانتفاضة // توفيق بوعشرين

الصحة أولا ما بغيناش كأس العالم
هذا شعار رفعه المواطنون في أكادير.

هل تصدقون؟
المدينة التي يديرها رئيس الحكومة بالتلكوموند من الرباط.

خرج آلاف المحتجين… كبارًا وصغارًا… رجالًا ونساءً.
للتظاهر.

للاحتجاج.

للتعبير عن الغضب من الخدمات الصحية المنهارة في المدينة.
صارت الاحتجاجات على الخدمات الصحية تتكرر هنا وهناك.

خرجوا تنديدًا بما وصفوه بـ “تردي الخدمات الصحية”.
والاكتظاظ.
وتأخر المواعيد الطبية.

وفضلًا عن إهمال متكرر تسبب في وفيات كان بالإمكان تفاديها.
كل هذا تحت اسم مرعب: مستشفى الموت.
يقع هذا في مدينة سياحية كبيرة تزخر بموارد طبيعية هائلة.

مدينة مرشحة لتستضيف فعاليات كأس العالم.
فماذا تقول وتفعل مدن الهامش؟

مثل الفقيه بن صالح.

سيدي قاسم.

سيدي سليمان.

بولمان.

ميدلت.

تزنيت.

الحسيمة.

تارودانت.

الراشيدية.

أرفود.

بوعرفة… وعشرات عناوين البؤس.
وعناوين الحرمان من رحمة الحكومة.

هل قرأتم ملامح الغضب؟

هل قرأتم الألم والإحساس بالحكرة على وجوه الناس؟
الذين تجمهروا أمام مستشفى الحسن الثاني.
المستشفى الذي تحول إلى مستوطنة آمنة للقطط والفئران والحشرات.
لم يجد المتظاهرون الوزير.
ولا رئيس مجلس المدينة.
ولا رئيس الجهة.
ولا مندوب الصحة.
ولا مدير المستشفى.

وجدوا أمامهم فقط قوات الأمن والتدخل السريع.
وأصلًا… لو كان هناك تدخل سريع… لما وقع ما وقع في مستشفى الموت هذا.

منذ سنوات والناس تشتكي في أكادير.
وفي غير أكادير.
من تردي الخدمات الصحية.
من سوء الاستقبال.
من غياب المعدات الطبية.
من طول المواعيد الاستشفائية.
من قلة الكادر الصحي.
من غياب النظافة.
ومن غياب أكثر للإنسانية.
عندما يمرض الإنسان… يصبح أكثر حساسية.
أكثر هشاشة.
وأولى بالرعاية.

المفارقة أن أقوى بيان تكذيب لخطاب الارتياح الذي جاء عزيز أخنوش يتلوه على المشاهدين في قنوات السلطة…

جاء من المدينة التي يرأس مجلسها الجماعي.
جاء الرد القاسي على لسان الآلاف من المتظاهرين.
لنُعطِهم الكلمة في هذا البرنامج… ثم نعود لاستكمال ما بدأناه.).

أكثر من مرة رددنا هنا أن ثلاث مؤسسات مريضة في المغرب.
وتحتاج إلى برنامج استعجالي.
المستشفى. المدرسة. المحكمة.
الباقي كله يمكن أن ينتظر.

المستشفى مستأمن على الصحة والعافية… أما العمر فبيد الله.

المدرسة مستأمنة على مستقبل الأجيال والوطن.

المحكمة مستأمنة على العدل وتطبيق القانون.
فالعدل أساس الملك.

كالعادة… لم ينزل رئيس الحكومة للمستشفى.
ليطفئ الغضب..
والاستماع إلى شكواهم بعث لهم فتى أكوا المدلل .

وبعث الوالي لهم قوات التدخل السريع.
كأنهم مجرمون.
أو جانحون.
أو “هوليغانز” خسر فريقهم الرياضي ونزلوا إلى الشارع لتفريغ الغضب.
هؤلاء مواطنون واعون ومتحضرون.
اختاروا التعبير السلمي عن مطالبهم.
اختاروا الشعار.
اختاروا اللافتة
لينقلوا مطالبهم إلى من يهمه الأمر.
لم يرجموا المستشفى بالحجارة.
لم يخربوا الممتلكات العامة.
ولهذا يجب الحوار معهم سياسيًا… لا أمنيًا.
هناك هوة كبيرة.
تزداد اتساعًا يومًا بعد يوم.
بين الخطاب الرسمي… والواقع الشعبي.

الحكومة تقول إنها رفعت ميزانية وزارة الصحة.
من 19 مليار درهم… إلى 32 مليار درهم.
لكن أمام مستشفى الحسن الثاني في أكادير…
لم يكن المشهد مجرد وقفة احتجاجية عابرة.
بل عرض مباشر.
بلا ديكور.
ولا مؤثرات صوتية.
لفيلم طويل عنوانه: أعطاب المنظومة الصحية المغربية.

الناس خرجوا يهتفون.
يطالبون بحق العلاج الكريم.
والسلطات… كالعادة… حاولت تفريق الجمع.
لكن الحقيقة لم تعد تُفرّق.

الناس فقدوا الثقة في المستشفى العمومي.
حتى صار المستشفى معروفًا عند أهل أكادير بـ “مستشفى الموت”.
لقب ثقيل… لكنه للأسف حقيقي.
الطريف في الأمر… والطريف هنا أسود…
أن الدولة في نفس الوقت تفتخر بورش التغطية الصحية الشاملة.
لكن الواقع يقول شيئًا آخر.

المصحات الخاصة طالعة مثل الفطر بعد الشتاء.
تستثمر. توسّع. تبني. تفتح فروعًا.
وكأنها مطاعم شاورما جديدة… ولكن في الطب!

أما المستشفيات العمومية… فهي في نفس الحالة.
أسِرّة ناقصة.
أطباء مرهقون.
أكسجين غائب.
نظافة منعدمة.
سوء استقبال مريع.
هل يعرف وزير الصحة أن الذي يستقبل المرضى في أبواب المستشفيات…
هم رجال الأمن الخاص؟Sécurités… بلا تكوين
بلا دراية.
بلا تأهيل.
يقومون بعمل ليس عملهم.
ولأنهم بؤساء.
وأجورهم زهيدة.
وساعات عملهم طويلة.
يتحول بعضهم إلى أداء خدمات بمقابل.
برشوة… إن سميت هذه رشوة

الحل هو إرادة سياسية لإعادة تثمين الكرامة البشرية في السياسات العمومية

التعليقات مغلقة.