الانتفاضة // حسن المولوع
قد يبدو للبعض غريبا أن نصف قرار محكمة الاستئناف الإدارية في قضية الصحافي حميد المهدوي بالانتصار، في وقت لم يخرج فيه الحكم لصالحه بشكل مباشر.. لكن جوهر المسألة يتجاوز المظاهر الشكلية إلى العمق القانوني والسياسي، حيث إن الحكم ذاته يُعتبر انتصارا استراتيجيا للصحافة المستقلة، لأنه يفتح الباب واسعا أمام الافتحاص الشامل لملف بطاقة الصحافة المهنية، وما يعتريه من خروقات وتناقضات خطيرة..
فالمحكمة بقرارها اليوم حسب ما قرأنا في أحد المواقع الإلكترونية ، أعطت الضوء الأخضر للفرقة الوطنية للشرطة القضائية، بأمر من النيابة العامة، للقيام بعملية افتحاص معمّق لكل الوثائق المودعة لدى المجلس الوطني للصحافة واللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر. فهذا الاجراء سيكشف، ولأول مرة، هل المواقع الإلكترونية التي حصلت على بطاقة الصحافة المهنية تتلقى أجرا رئيسيا من مزاولة الصحافة أم أن الأمر مجرد وثائق شكلية، من قبيل جذاذات أجور وهمية أو عقود مشبوهة..
السؤال الجوهري هنا ، لماذا يرفض المجلس الوطني للصحافة واللجنة المؤقتة نشر اللوائح الرسمية للحاصلين على البطاقة؟ ولماذا يمنحها للبعض رغم انعدام أي مدخول من الصحافة، في حين يتم حرمان صحافي بحجم حميد المهدوي، الذي عاش عمره كله في المهنة، من هذا الحق؟ أليس هذا قمة التناقض والازدواجية؟
القانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين، يشترط أن يكون “الأجر الرئيسي” للصحافي ناتجا عن مزاولة مهنة الصحافة. والمعنى واضح وهو عدم الجمع بين الصحافة ومهنة أخرى تُدر دخلا أكبر. لكنه لا يتحدث عن مصدر الأموال أو الإعلانات. فإذا كان المجلس جادا في تطبيق القانون، فعليه أن يثبت بالدليل القاطع أن كل حامل للبطاقة يتلقى أجره من الصحافة لا غير. وإلا، فإننا أمام تزوير مقنن..
أما على المستوى الدولي، فقد نصّت المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادق عليه المغرب، على حق كل فرد في حرية التعبير، بما يشمل “البحث عن المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها”. كما أكدت المادة 9 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب على أن حرية التعبير ركيزة أساسية للديمقراطية. فكيف تُصادر هذه الحرية عبر حرمان صحافي مستقل من بطاقة هي بمثابة ترخيص لمزاولة المهنة، بينما تُمنح بسخاء لمن لا علاقة له بالصحافة إلا عبر أوراق واهية؟
الأخطر أن الاعتماد على الإشهارات والإعلانات كشرط ضمني للحصول على البطاقة وتفسيره على انه دخل رئيسي يضرب في العمق استقلالية الصحافة. فالصحافة التي تعيش على الإشهار الرسمي أو الخاص، تفقد حريتها النقدية وتصبح رهينة لمن يمولها. في حين أن بطاقة الصحافة المهنية يجب أن تُمنح وفق معايير مهنية صِرفة، لا وفق معايير الولاء أو الخضوع لميزانيات الإعلانات..
الخلاصة واضحة وهي ان حميد المهدوي انتصر.. انتصر لأنه أجبر المنظومة على كشف عوراتها. انتصر لأنه دفع القضاء لفتح باب التحقيق في مصدر الأجور والوثائق لجميع المنابر الالكترونية. انتصر لأنه كشف التناقض الصارخ بين النص القانوني والتطبيق الانتقائي له. انتصر لأنه وضع المجلس الوطني واللجنة المؤقتة أمام امتحان النزاهة. والأهم أنه أعاد النقاش إلى جوهره.. هل نحن أمام صحافة حرة ومستقلة، أم أمام بطاقات تمنح بالولاء وتُحجب بالعقاب؟
سننتظر، كما ينتظر الجميع، ما ستقوم به الفرقة الوطنية الموقرة.. هل ستضع يدها فعلا على ملف البطاقات المهنية وتباشر افتحاص الوثائق المتعلقة بالحاصلين عليها منذ سنة 2019؟ ذلك مع ضرورة عدم إغفال الشق المالي المرتبط بالمجلس الوطني للصحافة واللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر، إذ إنه وإلى حدود كتابة هذه السطور، لا أثر لأي تقارير مالية منشورة للعموم كما يفرض ذلك القانون.
التعليقات مغلقة.