حوار بلا خطوط حمراء 

الانتفاضة // توفيق بوعشرين 

ظهر أخنوش في مكتبه، وليس في بلاطو التلفزة.

بلا حضور، بلا كاريزما، وبلا قدرة على صياغة جملة سياسية.

الحال يغني عن السؤال كما يقول المثل

حوار بارد، مصوَّر وليس مباشرًا.

اشتغل فيه مقص الإخراج وإعادة الإخراج بالحذف واللصق.

حتى أضحى طعمه مثل أدوية حرقة المعدة.

هذا هو رئيس حكومتكم في سنته الأخيرة.

تيكنوقراطي في جلباب سياسي أكبر منه.

رجل أعمال جاء إلى السياسة لتنمية ثروته، وليس لخدمة شعبه.

وما زال، وهو في شهوره الأخيرة، يقدّم الوعود… كأنّه على وشك البداية.

كانت أمامه فرصة لإلقاء خطاب وداع مباشر وطلب الصفح.

لكنه لم يفعل.

اطلّ من شاشتين تلفزيونيتين رسميتين، مكبلتين بدفاتر تحملات وبثقافة إعلامية دعائية.

لذلك لم يلتفت إلا القليلون إلى هذا الحوار.

حوار جاء بعد عطلة طويلة قضاها عزيز خارج الوطن.

كان في سردينيا، في صيف ساخن كان يتطلب منه البقاء في مكتبه لمباشرة ملفات كثيرة.

أهمها: تنفيذ التعليمات الملكية بخصوص ملف الانتخابات القادمة.

وإعداد برنامج لتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.

للحد من ظاهرة قديمة اسمها: بلاد واحدة تسير بأكثر من سرعة.

لكن أخنوش قال: “أنا مرتاح لأن وزير الداخلية هو من كُلّف بملف الانتخابات”.

لماذا يا سيادة رئيس الحكومة تتنازل عن واحدة من صلاحياتك الدستورية إلى وزيرك المفترض في الداخلية؟

يقول أخنوش: “لأن إشراف رئيس الحكومة على الانتخابات يكون عادة شكلي. ومن خلال تجربتي الحكومية لم نعقد إلا جلسة واحدة في حكومة العثماني. ولم نتفق. ثم تركنا الملف للداخلية”.

نعتذر من السيد الملياردير القادم إلى السياسة من زمن إدريس البصري.

نقول له: على مدار ساعة وسبع عشرة دقيقة، لم يذكر ولا مرة كلمة ديمقراطية.

ولا دستور. ولا حقوق الإنسان.

ولا حرية التعبير. ولا محاربة الفساد.

ولا إشكالية التطبيع مع إسرائيل.

خلا الحوار الذي دام ساعة وربع من أي مفردة سياسية.

ولا كتاب. ولا مرجع.

ولا مقولة. ولا حكمة.

ولا مثل شعبي.

ولا أي شيء يمكن أن يُلهم الأطفال، أو الشباب، أو النساء، أو الشيوخ…

الذين قتلهم بالفقصة وهو يكرر: “المغاربة فرحانين” ثلاث مرات.

يقول توفيق الحكيم : السياسة هي فن الكذب المعقول

هذا رجل أخذ تلقيحًا مضادًا للسياسة والثقافة والكتاب والأدب والشعر والحكمة والتاريخ.

ولم يفتح الله عليه سوى في شيء واحد: جمع المال.

ومعرفة ثلثي رجال الأعمال الذين يتحركون في المغرب.

وطبعًا يعرف من أين تُؤكل كتف الريع في الدولة.

يقول الفرنسيون الوعود لا تلزم إلا من يصدقها …هكذا يقول لكم المليردير فالقانون لا يحمي المغفلين …

لا بأس… لنستمع إلى أستاذ مغربي للعلاقات الدولية في الولايات المتحدة الأمريكية، محمد الشرقاوي.

الذي ضيّع من وقته، مثلنا، 80 دقيقة في الاستماع إلى مونولوغ وليس حوارًا مع رئيس الحكومة.

وكتب ثلاث ملاحظات على الحائط الأزرق، الذي أصبح جريدة من لا جريدة له.

كتب: “يأتي رؤساء الحكومات في ثلاثة أصناف”.

الفئة الأولى:

يعطون للمنصب معنى جديدًا بما لديهم من الحكمة وبعد النظر وحصافة الاختيار عند هندسة السياسات العامة البديلة.

يجمعون بين العلم والذكاء الفطري وطموح التحدي.

يتمتعون بملكة الحديث والتواصل.

وتكون أقوالهم مصدر إلهام للجماهير.

يدمغون حقبتهم بلمستهم الشخصية في الزعامة أكثر من القيادة.

لتتحدث عنها الأجيال اللاحقة.

الفئة الثانية:

يعملون على إيجاد حلول معقولة للمشاكل اليومية.

يعتبرون أنفسهم تقنيي تسيير لشؤون الدولة، أو بالأحرى “تكنوقراط” السياسات العامة.

يعرفون قدراتهم المحدودة على الابتكار وحتى على مخاطبة الجماهير.

فتكون ألوانهم خافتة في الحياة العامة.

يأتون ويذهبون دون ضجيج.

ولا تعيرهم الذاكرة الجماعية أي تمجيد أو تخليد.

الفئة الثالثة:

لم يصلوا السياسة من الطريق العادي أو من ممر معروف.

بل أركبهم أصحاب الفضل براقًا خاصًا من سطات إلى الرباط.

لا تسعفهم عصبونات أدمغتهم على تعلم السياسة أو التقاط أبجديات الخطاب السياسي البسيط.

ناهيك عن فصاحة الإلهام السياسي والفكري.

وحتى إن تم تحفيظهم بعض السطور أو العبارات المحورية قبل دوران الكاميرا، تضيع منهم.

أو تتحلّل من تلقاء ذاتها في لازمة “اللي سميتو”، على غرار لازمة الشعر.

ظهر رئيس الحكومة في مكتبه بالمشور السعيد مرتبكًا كعادته.

متسلحًا بخطاب ارتياح أجوف.

وبقدرة هائلة على مجابهة الحقائق بالأكاذيب.

أرقامه مغلوطة انتهى كلام الشرقاوي .

فعندما يريد الحديث عن نسبة النمو يدق باب المندوبية السامية للتخطيط.

وعندما يريد الهروب من أرقام البطالة، التي وصلت في عهده إلى 13٪، يبتعد عن أرقام بنموسى.

ويخرج احصائيات لمناصب الشغل التي أحدثها لا يعرف أحد مصدرها.

الا يقول الإنجليز هناك ثلاثة أنواع من الكذب والاحصائيات واحدة منها …

وطبعًا لا يسأله الصحافيان عن مصدر هذه الأرقام فلا مجال للإحراج هنا .

يقول اخنوش إنه خلق في أربع سنوات 600 ألف منصب شغل.

والحقيقة أنه لم يخلق حتى ثلث هذا الرقم وطبعا لا يتحدث عما ضاع من مناصب شغل في عهد حكومته .

ويبقى في كل الأحوال بعيدًا عما وعد به الناخبين: مليون منصب شغل في خمس سنوات.

لنخرج قليلًا من الفقر السياسي والإعلامي في البيئة المغربية.

قالت الصحفية الأمريكية من أصل لبناني، هيلين توماس (1920–2013)، بعد قرابة 50 سنة من العمل مراسلة في البيت الأبيض:

هيلين التي قال عنها باراك أوباما في حفل تقاعدها بنادي الصحافة في واشنطن:

“هيلين توماس كانت وما زالت سيدة الأسئلة الصعبة. وكان وقع أسئلتها على الرؤساء الذين وقفت أمامهم، من كينيدي إلى أوباما، مثل الإبر”.

قالت هيلين، واسمها العربي خيرية صقلي قالت في درس للصحافيين :

أيها الصحافي، إذا أخبرتك أمك بأنها تحبك، فأول شيء تقوم به هو أن تشك في هذا التصريح. وبعدها راقب الأفعال لا الأقوال”.

على ما في هذا القول من مبالغة، فهو يرسل إشارة تنبيه إلى حاسة الشك لدى الصحافي.

حاسة لا يجب أن تفارقه.

تمامًا مثل خوذة الجندي على جبهة القتال.

أو حذر العصفور الدائم على الأرض.

إذ طوق نجاته في حذره الدائم.

نكتة سياسية:

اشتكى سياسي مغربي مبتدئ لزعيم حزب سياسي مجرّب من نشر الصحافة للأكاذيب عن السياسيين.

فقال الزعيم المجرب للسياسي الوافد :

“اترك الصحافة يا بني تكتب علينا الأكاذيب. فلو كتبوا عنا الحقائق لكانت كارثة. أكاذيبهم أهون علينا من حقائقنا”.

لنرجع مرة أخرى إلى حوار أخنوش، الذي صنع الحدث في هذا الدخول السياسي.

كيف صنع الحدث هذا الرجل الذي يخاف من الكاميرا؟

ويصيبه الرعب من مواجهة الصحافة؟

ولا يجد العبارة لإقناع أحد؟

نعم، صنع الحدث بخروجه الباهت والمعلب.

رئيس حكومة ليس في حصيلته التواصلية سوى حوارين أو ثلاثة في كل الولاية.

يخرج في قناتين عموميتين.

ثم لا يحصد سوى النقد والسخرية والدهشة.

من عدم قدرته على إقناع أحد.

أو فتح شهية أحد للاستماع إليه.

ومن يريد مؤشرًا أو دليلاً على هذا الكلام، فليرجع إلى أرقام اليوتيوب.

ليرى كم استقطبت المقابلة من مشاهدين.

ولماذا حذفت القناة الأولى على موقعها التعليقات على خطاب رئيس الحكومة.

التعليقات مغلقة.