الإنتفاضة : ” ــ بقلم ــ : “محمد السعيد مازغ”
في الصويرة، ما إن يجلس الزائر في مقهى أو مطعم، حتى تحاصره أيادٍ ممدودة وعبارات استعطاف، سواء في ساحة مولاي الحسن، أو بمحطات النقل، أو أمام الصيدليات والبنوك، أو على مقاهي الواجهة البحرية. مشهد التسول أصبح جزءًا من يوميات المدينة، يطرح أسئلة ملحّة حول أسبابه وتداعياته.
وفي المقابل، هناك وجوه تكافح بصمت وكرامة: فتيات في ربيع العمر يخرجن مع أولى خيوط الفجر لأعمال متواضعة، نساء يبعن السمك أو الأكياس البلاستيكية برؤوس مرفوعة، وشيوخ يجرّون عرباتهم بحثًا عن لقمة حلال، لا يسألون الناس شيئًا، وكأنهم تجسيد لقول الله تعالى: “يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ”. وفي المقابل، يبرز آخرون ممن يُعرفون شعبيًا بـ”بارد الكتاف”، أتقنوا فنون التحايل، وعرفوا الأماكن والأوقات التي تدرّ عليهم المال السهل بلا جهد.
هذه الظاهرة لم تولد صدفة، بل هي نتاج تراكمات متشابكة: مجالس منتخبة عجزت عن خلق فرص عمل حقيقية، وجفاف دفع القرويين للنزوح، وفراغ قيمي جعل البعض يلهث وراء الربح السريع، وتعليم متعثر، وتفكك أسري عمّق الهشاشة.
اليوم، تحتاج الصويرة إلى ما يتجاوز العين الأمنية، إلى إرادة جماعية تحاصر الظاهرة بمقاربة مزدوجة: زجرية تردع محترفي التسول، خصوصًا من يستغلون القاصرين أو يتظاهرون بالعجز لاستدرار العطف، واجتماعية تنصف المحتاجين الحقيقيين عبر دعم مباشر وشفاف، خاضع للتدقيق والمحاسبة، بعيد عن الزبونية والمحسوبية.
ومعالجة هذه الجراح الاجتماعية تبقى رهينة بتحريك عجلة التنمية، عبر إعادة الاعتبار للحي الصناعي، وتسريع تنفيذ المشاريع المبرمجة بالغزوة ودوار العرب، باعتبارهما متنفسًا يخفف ضغط الكثافة السكانية ورافعة للإدماج وخلق فرص العمل. وهي خطوات لم يعد مقبولًا تأجيلها، خاصة مع الآمال الكبيرة المعلّقة على العامل الجديد، المعروف بكفاءته وديناميته، وما يُنتظر أن يحمله من أفكار تنموية تعيد للمدينة توازنها وتصون كرامة سكانها.
التعليقات مغلقة.