في زمن الفوضى الإعلامية: الصحفي المهني متهم حتى يثبت العكس

الانتفاضة. :   “.                                                                                                بقلم محمد السعيد مازغ “.

       قيل والعهدة على الراوي أن الشرطة القضائية بمراكش قامت بتوقيف أشخاص ينتحلون صفة الصحفي، بعضهم متورط في الابتزاز، وآخرون في قضايا أخلاقية تمسّ سمعة المهنة، وهو ما يثير قلقًا متزايدًا داخل الجسم الإعلامي المهني.

القضية حسب ما يروى ما تزال في بدايتها، وأن مجريات التحقيق مرشحة لكشف المزيد من تفاصيل شبكة منظمة تتصيد اصحاب الملاهي ومقاهي الشيشة وتبتزهم بدعوى التستر على ما يجري داخلها من ممارسات لا قانونية ، متخفية  وراء واجهات صحفية مزيفة، ويُرجح أن التحقيق يمكن ان يميط اللثام عن ممارسات تسيء للمهنة وتُعمّق أزمة الثقة.

ورغم تحذيرات متكررة صدرت عن فعاليات مهنية، وبلاغات ولقاءات مع مسؤولين، ظلّ الوضع على حاله، بل تفاقمت مظاهر الفوضى، وتكرست صور مغلوطة عن الصحفي في أذهان الرأي العام.   

في المقابل، اضطُر عدد من الصحفيين المهنيين إلى التراجع خطوة إلى الوراء، حفاظًا على كرامتهم، ورفضًا للاشتغال إلى جانب منتحلي الصفة. لكن هذا التراجع ترك الميدان مفتوحًا أمام غير المؤهلين، فاستغلوا الفراغ وراحوا يوقّعون اتفاقيات شراكة مع مؤسسات عمومية وخاصة، ويتحدثون باسم الصحافة دون صفة قانونية أو خلفية مهنية.

ما يحدث اليوم لا يسيء فقط للمهنة، بل يُقوّض ثقة المجتمع في الإعلام، ويضعف دور الصحافة الجادة في التوعية والمراقبة. وهو ما يستدعي تحركًا مؤسساتيًا عاجلًا لوضع حد لحالة التسيب، وتفعيل آليات المراقبة المهنية، حمايةً لمصداقية الصحافة ولمكانتها في المجتمع. كما أن حوادث كهذه تثير تساؤلات حقيقية حول من يُمثّل المهنة فعليًا، وتضع الصحفيين المهنيين في موقف صعب، يصعب فيه الدفاع عن صورة المهنة وسط هذا التشويه المتزايد وتعامل بعض الجهات المفروض فيها صيانة القانون مع هذه الشريحة.

غير أن معالجة هذا الوضع لا تتم بالانفعال أو تجاوز الاختصاصات. فالمؤسسات الرسمية تبقى الجهة المخوّلة قانونًا لحماية المهنة وتأطيرها، إن هي أدركت فعلاً خطورة ترك الأبواب مشرعة أمام كل منتحل أو طامع. كما أن الأحكام القضائية، رغم أهميتها، تظل عنصرًا واحدًا من عناصر الإصلاح، لكنها لا تكفي وحدها لاستئصال هذه الظواهر ما لم تترافق مع مراجعة شاملة لطريقة تدبير القطاع الإعلامي وضبط معاييره وممارسيه.

ما يجري اليوم لا يُسيء فقط لصورة الصحافة، بل يُضعف جسور الثقة بينها وبين المجتمع، ويُربك العلاقة بين المؤسسات والإعلام الجاد، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى إعلام مهني نزيه، قادر على لعب دوره التوعوي والرقابي في مناخ سليم ومحترم.

من هذا المنطلق، يُشدّد عدد من المهنيين على ضرورة تحرّك عاجل وحازم من الجهات المعنية، لتطهير الساحة الإعلامية من الممارسات المشينة، وإعادة الاعتبار لصحافة تحمل رسالة لا سلعة، وتخاطب العقل لا الغريزة، وتستند إلى القانون لا الفوضى.

التعليقات مغلقة.