الانتفاضة // البداوي إدريسي
من يدعي العلمة معرفة عرف شيء و غابت عنه أشياء، تحرم صاحبها نفسه من المعرفة لأنه يدعيها، هو موجود بيننا، يبني علاقته الإجتماعية على دعائم معرفته الزائفة بجميع العلوم.
فإذا تحدثت عن اللغة تجده “سبويه”، و إذا تحدثت عن الإقتصاد تجده “ديفيد ريكاردو”، أو “ٱدم سميت”، و إذا تحدثت عن المرض تجده “ابن سينا” شخصيا، يسارع لتشخيص مرضك و يصف لك الدواء، و إن سمحت له يمكنه أن يجري لك عملية جراحية بسيطة، أما إذا تحدثت عن السفر تجده “ابن بطوطة”، أو يحكي مغامراته كما لو كان رافقه في جولة حول العالم .
فصاحب هذه الشخصية يطلق عليه الناس في المجالس ” عالم في كل شيء … و لكن حقيقته لا شيء”، و كثيرا ما يتعرض للسخرية و الإنتقادات من قبل المحيطين به،
و هناك ربما يترك المجلس عندما يطلق ” عالم في كل شيء … و لكن حقيقته لا شيء”؛ العنان لخياله و ينسج مغامرات و حكايات هو بطلها، أو يُبدي رأيه و يقدم نصائحه في مجالات لا يفقه فيها شيئا، و ثمة من يحولها إلى مادة للتندر و التسلية .
و نجد من أشكال اللقاءات الإجتماعية حضور مجلس يتواجد فيه أعداد من الرجال، بمختلف مستوياتهم الثقافية و الإجتماعية و السياسية، أو تلك اللقاءات التي تحرص عليها النساء بلقاء أو زيارة إجتماعية و تأدية واجب أو مناسبة، حيث يكون للحضور قيمة و فائدة متى تواجد بين الحضور من له قيمة علمية حقيقية و قيمة و وزن ثقافي، بثقل معرفة و خبرة و تجارب و كاريزما تفرض حضورها، بما يقدمونه من ٱراء و فائدة و معرفة و خبرات صحيحة في مجالهم، دون تفلسف و استعراض لكل المجالات، و استعراض عضلات معلومة قرأها في تويتر أو فيسبوك، أو گوگل أو اليوتوب! أو سمعها دون أن يفهم خلفية و شمولية المعلومة!.
العالم و المثقف الحقيقي هو من يتكلم بما يعرف، و يلتزم الصمت في جهله لأمور أخرى، و لا يرفع صوته في حضور أهل الخبرة و المعرفة، فكم من فقاعات تظن أنها مثقفة و هي كذلك، و لكن بثقافة حفظ، مزيفة و فارغة، و لا أثر لها !.
و كم من أولئك الذين يظنون أن رفع الصوت للسيطرة على المكان و الحضور يجعل لهم الإنصات و الإلتفاف و الإهتمام !.
و كم من أشكال تظن أن لها الحضور و الكاريزما بممارسات و استعراضات و الإدلاء بدلوهم في كل موضوع، و حديث رغبة في تُوجه الوجوه و الأنظار و الحواس إليهم !.
فالمجالس و اللقاءات الأدبية و الثقافية و الندوات و غيرها من فعاليات تعقد و تنظم؛ لكن إن إفتقرت للفائدة و المعلومة و كانت لقاءات لأجل الوصول لبعض الأسماء المتواجدة لمنفعة يبتغيها! أو الوصول ليكون متواجدا و حاضرا في لقطة و صورة جماعية تنشر في وسائل الإعلام المختلفة، طلبا لشهرة و غاية في نفسه! فإن مثل هذه المجالس لا جدوى منها، خاصة إن غلب عليها طابع الإستعراض و المجاملات و النفاق الإجتماعي، و هو ما ينطبق على اللقاءات و البرامج الحوارية !.
من الأهمية بناء الشخصية المثقفة و المتحدثة، و التي تملك أدواتها لتكون متواجدة في لقاءات اجتماعية و ثقافية و لقاءات خاصة غير متلفزة، أو في لقاءات متلفزة و حوارات، تضيف المشاهد المعلومة و التحليل للأحداث و ٱخر الأخبار .
من المهم أن يحرص الضيف على الإعداد و الدراسة و القراءة للموضوع، و التنسيق مع الإعداد و المحاور، فما يلاحظ هو تكرار الوجوه و الأصوات ذاتها في كل اللقاءات السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية، و عند الإنتهاء من المتابعة لا نجد الإضافة أو الجديد أو ما يشدّ الإنتباه و الحرص على المتابعة!.
الإنصات مهارة، و فن الحديث و الحوار موهبة و ثقافة، و التعلم من خلال الإنصات عند جهل بعض الأمور تواضع، و الإستماع لمعلومات تقال لأول مرة إضافة و تعلم و حكمة، كل تلك الأمور و غيرها من فنون المجالس و اللقاءات و الحضور، يُلقي بفائدته و أهميته، و يجعل الأصوات الواثقة و العقول الممتلئة بالعلم و المعرفة و التواضع، تعطي من خيرتها ما يفيد، بسلاسة و تواضع و علم حقيقي، بخلاف أولئك الحاضرين أجسادا لشرب فنجان قهوة و شرب شاي، و أكل حلوى و فاكهة، و تطيب بطيب عود يلف المجلس! أو أولئك المتفلسفين بأصوات عالية و عقول فارغة و أعماق خاوية، تجدهم خبراء في كل شيء… و حقيقتهم لاشيء .
التعليقات مغلقة.