أعراس الجنوب الشرقي تفقد قدسيتها وتتحول إلى مواسم لاستعراض العضلات الشكلية

الانتفاضة

لم تكن أعراس الجنوب الشرقي المغربي، منذ زمن بعيد، مجرّد لحظات احتفالية عابرة، بل كانت طقوسا مقدسة تعبر عن تماسك المجتمع، وتنم عن أصول راسخة من الكرم والتآزر والفرح الجماعي المنضبط. كانت الأعراس في واحات درعة وتافيلالت، وسهول المعيدر، وتخوم صاغرو، فضاءات للفرح النقي، وللذكر الجماعي، وللقيم الأصيلة التي تتجاوز الفرد إلى الجماعة.

لكن في السنوات الأخيرة، بدأت ملامح هذا الطقس الاجتماعي تتغير بشكل مثير للقلق، حيث تحوّلت كثير من الأعراس إلى مسارح مفتوحة لاستعراض المظاهر الشكلية و”العضلات الاجتماعية”. ولم يعد الاحتفال بالزواج مناسبة روحية وحميمة، بل صار فضاءً للتباهي الفردي ومجالا للمزايدة الطبقية الفجّة.

فهذا يُبرز مكانته الاجتماعية من خلال نوع فستان العروس، وثمنه، وطريقة دخوله، وتفاصيل الزينة. وذاك يفتخر بسيارته الحديثة وبراعته في السياقة، وكأن حلبة الرقص لا تكتمل إلا باستعراض “المكينة” والمراوغة في الأزقة الضيقة. وثالث لا يرى في العرس إلا مسرحًا لاستعراض عضلاته، مرتديًا سروالًا قصيرًا، كاشفًا عن جسد مفرط في التمارين، حتى يبدو وكأنه يستعرض “ما حول مخرجه”، لا أكثر ولا أقل.

أما رابعهم، فيحاول أن يركب موجة “النخبة المثقفة”، فلا يجد ضالته إلا في مجادلة فقيه الدوار أمام الحضور، متناسيا مقام المناسبة وحرمتها، ومتجاهلا الفرق بين مجلس العلم ومقام العرس، بين الفقيه الحامل لوصايا التراث والمجتمع، وباحث سطحي لا يُحسن التواضع.

أين ذهبت “الرقصة الجماعية” البسيطة التي كان الكل يشارك فيها؟ أين طقوس “تاروانت” و”أحيدوس” و”الناي والغَيطة” التي كانت تجمع ولا تفرق؟ كيف انقلبت مائدة “الكسكس الجماعي” إلى منصة للتباهي بما لذ وطاب، ولو أُخذ بالدين أو القرض؟

إنها علامات على تحوّل عميق في البنية القيمية للمجتمع، حيث صارت الفردانية تطغى على الجماعة، والمظاهر على الجوهر، والتفاخر على التواضع. ولعل ما يثير الحزن أكثر أن هذه المظاهر تجد تبريرًا عند البعض باعتبارها “تطورا” أو “تحضرا”، في حين أن الأمر لا يعدو كونه انفصامًا بين الموروث والواقع، بين القيم والادعاء.

ما أحوجنا اليوم إلى مراجعة صادقة لهذه التحولات، لا بغرض الحنين إلى الماضي، بل لاستعادة جوهر الفرح الأصيل، ولإعادة الاعتبار للبعد الثقافي والاجتماعي للعرس، كطقس جامع بين الأجيال، لا كبطولة فردية لركوب موجات التفاخر والاستهلاك المفرط.

التعليقات مغلقة.