تزويج بنات الجنوب الشرقي للغرباء دون تحقق: زواج أم جازفة؟

الانتفاضة // إبرهيم بوفدام

ما يزال مشهد زواج الفتيات في الجنوب الشرقي المغربي، خصوصًا في القرى والمناطق الهامشية، يُطرح بإلحاح على بساط النقاش الاجتماعي، لا بسبب مبدإ الزواج ذاته، بل لطريقة تدبيره التي باتت في أحيان كثيرة تنزلق إلى التساهل، بل إلى التهور.
ففي حالات متكررة، يتقدّم رجل غريب، لا تعرفه الأسرة من قبل، غالبًا ما يكون برفقة شخصين يقدمان نفسيهما كوالديه، يُظهر الرغبة في الزواج من إحدى بنات الدوار. في ظرف يومين أو ثلاثة، تتم الموافقة، ويُعقد القران، وتُرسل الفتاة إلى بيت الزوجية الجديد، دون أن يُبذل أي جهد حقيقي لمعرفة خلفية هذا “الخاطب”، لا من حيث وضعه النفسي، ولا من حيث استقراره المهني أو الاجتماعي.
ما يُثير القلق في هذه العادة، أن الخاطبين في الغالب يكونون من المعدمين اجتماعيًا، أو ممّن يعانون اضطرابات نفسية ظاهرة أو خفية*، أو يفرّون من واقعهم ببحثهم عن زواج سريع وغير مكلف. ومع ذلك، تجد بعض الأسر تفتح الأبواب دون تحقّق، بل تتعامل مع الموضوع بمنطق “الفرصة التي لا تُعوَّض”، في مجتمع تتعاظم فيه الضغوط المادية، وتضيق فيه سبل الأمل.
المشكلة إذًا لا تكمن في الزواج من “غريب”، بل في *تفويت واجب التحري والتأكد والمسؤولية*. الزواج ليس مجرد عقد شرعي، بل مؤسسة تحتاج إلى رصانة، وإلى اختيار عقلاني يراعي مستقبل الفتاة واستقرارها النفسي والاجتماعي.
الزواج ليس هروبًا من الفقر
في كثير من هذه الحالات، لا يكون للمال دور حاسم، بل يكون الدافع هو “الخروج من الوضع”، سواء بالنسبة للخاطب الذي يرى في فتاة البادية سبيلًا للزواج السهل، أو للأسرة التي ترى في هذا الزواج خلاصًا من عبء اجتماعي وثقافي ضاغط.

لكن الثمن يكون باهظًا حين تصطدم الفتاة بواقع زوج مضطرب نفسيًا، أو عاطل عن العمل، أو غير قادر على التواصل السليم.
فالزواج في ثقافتنا ليس فقط ارتباط شخصين، بل هو تفاعل عائلتين، وبناء اجتماعي طويل الأمد. لذلك، لا بد من:
– نشر الوعي بخطورة التسرّع في تزويج الفتيات دون تحقق.
– إدماج الفتاة في القرار، واحترام رأيها دون ضغوط.
– حثّ الأسر على طلب وثائق تثبت هوية وسلامة عقل الخاطب (شهادة طبية عند الحاجة).
– إشراك الفاعلين المحليين من فقهاء، وعدول، ومجتمع مدني في التوعية والمراقبة الاجتماعية.
إنّ احترام الزواج يبدأ باحترام المرأة. وإنّ الاستهانة بمصير الفتاة تحت ذريعة “الفرصة” أو “الستر” هي جريمة صامتة، قد لا تُسمّى كذلك، لكنها تترك آثارًا غائرة في نفوس العشرات.

التعليقات مغلقة.