الكسب الحلال

الانتفاضة // خالد بوزلماض

إن من أنواع الكسب الحلال، التجارة، التي هي من أفضل الأعمال الدنيوية، ومن أشرف المهن التي يكتسب منها الناس أرزاقهم، وأرزاق أهليهم وأولادهم، وقد حث الإسلام عليها وأمر بها، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أنها من الكسب الطيب، عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الكسب أطيب؟ فقال: “عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور”. ومما يبين أهمية التجارة في الإسلام أن القرآن الكريم سمى أرباحها فضل الله، فقال الله تعالى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ) وقال: ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
والذي يتميز به التاجر المسلم عن غيره تمسكه بقيم دينه، وتوكله الدائم على ربه، ويؤمن أنه لا انفكاك بين التجارة وقيم الإسلام وضوابطه وأحكامه وشرائعه، ويعلم أن من وافق في تجارته شرع الله كان كسبه حلالا، ومن خالف في تجارته شرع الله كان كسبه حراما.
ومن أخلاق التاجر المسلم الناجح:
أولا:

أنه يقدم أمر الله على تجارته، وألا تشغله تجارته عن الغاية التي من أجلها خلقه الله وهي عبادته وطاعته وذكره وتلاوة كتابه… وقد أثنى الله عز وجل على عباده المؤمنين الذين لا تشغلهم تجارتهم عن طاعته، فقال: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ)، وحذر الله سبحانه أولئك الذين استغرقوا في تجارتهم ومصالحهم، وشغلتهم أموالهم وأولادهم عن ذكر الله وعبادته، فاستحقوا بذلك كمال الخسارة لأنفسهم وأهليهم يوم القيامة، لأنهم باعوا الباقية بالفانية، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).
ثانيًا:

أن يتحلى التاجر المسلم بالسماحة في البيع والشراء، والتيسير، فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة لمن يتحلى بخلق السماحة في اقتضاء حقه من الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى)) وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن تاجر من بني إسرائيل كان يتعامل مع الناس بالتيسير والسماحة، فكان جزاؤه من الله تعالى أن تجاوز عنه، قال صلى الله عليه وسلم: “كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرًا، قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه”.
ثالثا:

أن يتحلى التاجر المسلم بالصدق: قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الصدقَ من أسباب البركة، فقال: “البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيَّنا بُورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحقت بركة بيعهما”، وقد أثنى النبي صلى الله على التاجر الصدوق في بيعه وشرائه، فقال: “التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء”.
رابعا:

أن يتفقه التاجر المسلم في دين الله تعالى، ويتعلم الأحكام الشرعية الخاصة بالتجارة التي يمارسها، وذلك بسؤال أهل العلم، حتى يعرف الحلال حلالا فيمتثل له، ويعرف الحرام حراما فيتجنبه، ويعرف الشبهات فيبتعد عنها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام”.
خامسا:

أن يتجنب التاجر المسلم الأيمان الكاذبة في البيع والشراء، لأنها مهلكة للسلعة ممحقة للبركة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الحلف منفِّقة للسلعة، ممحقة للبركة”.
سادسا:

أن يتجنب التاجر المسلم الغش، وهو أن يخفي عيوب بضاعته، ويظهر محاسنها، أو يزوِّر تاريخ صلاحيتها، أو يكذب في بلد الصنع والإنتاج، أو يكذب في مواصفاتها وجودتها، أو غير ذلك من أنواع الغش التي كثُرت في زماننا، وهو كبيرة من الكبائر، تجمع في طياتها جملة من الكبائر المحرمة كالكذب، والخيانة، والتزوير، وأكل الحرام. وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الغش، وأخبر بأن الغش ليس من أخلاق المسلمين، فقد مر النبي صلى الله عليه وسلم على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: “ما هذا يا صاحب الطعام”؟ قال: أصابته السماء، يا رسول الله، أي نزلت عليه الأمطار، فقال: “أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني”.
سابعا:

أن يتجنب التاجر المسلم الاحتكار، وهو حبس طعام الناس وأقواتهم بقصد إغلائها، واستغلال حاجة الناس إليها، مما يسبب إضرارا وتضييقا على الناس، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الفعل، وأخبر بأن فاعله آثم خاطئ، فقال: “لا يحتكر إلا خاطئ” وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله يعجل العقوبة للمحتكر في الدنيا قبل الآخرة، بذهاب نعمتي العافية والمال، فقال صلى الله عليه وسلم: “من احتكر على المسلمين طعاما ضربه الله بالجذام والإفلاس”.
ثامنا:

أن يتجنب التاجر المسلم التطفيف في المكيال والميزان، وبخس الناس أشياءهم، وقد حذر الله من التطفيف وتوعد صاحبه بالخسارة والهلاك في الدنيا والآخرة لأنه آكل لأموال الناس بالباطل، فقال سبحانه وتعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) و”الويل” هو العذاب والخسارة والهلاك، يصيب المطففين (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) إذا كانت لهم حقوق على الناس أخذوها وافية لا ينقص منها شيء، وإذا كان للناس عليهم حقوق فإنهم ينقصونها ويبخسونها ولا يعطونهم حقوقهم كاملة، سواء كان هذا في الكيل أو الوزن، أو كان في غير ذلك من سائر المعاملات، والله عز وجل أمر بإيفاء المكاييل والموازين فقال: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)، وقد أهلك الله قوما من الأقوام بسبب نقص المكاييل وهم قوم نبي الله شعيب عليه السلام، الذين قالوا له لما أمرهم بعبادة الله وإيفاء المكيال والميزان: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) فلما لم ينتهوا وتمادوا وأصروا على أكل أموال الناس بالباطل أهلكم الله، فقال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ، كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ).
تاسعا:

من أخلاق التاجر المسلم أن يؤدي ما فرضه صاحب المال الحقيقي وهو الله تعالى في ماله من الزكاة، بل ويزيد على ذلك شكرا لله تعالى من الصدقات، أما الزكاة فقد جعلها الله ركنا من أركان الإسلام، وتوعد تاركها بالعقاب الشديد في الآخرة، حيث قال سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ)، وأما الصدقة فهي برهان على صدق الإيمان وتفضيل الآجلة الباقية على العاجلة الفانية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “والصدقة برهان” وقال سبحانه وتعالى مبينا فضل الصدقة والعطاء والإنفاق في سبيل الله: (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ، وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
ومما دأب عليه كثير من المغاربة أنهم اختاروا هذا الشهر العظيم شهر الله المحرم لأداء الزكاة، لأنه الشهر الأول من الأشهر القمرية، وهو من الأشهر المحرمة التي عظمها الله تعالى وعظم العمل الصالح فيها، وهو شهر يوافق العاشر منه يوم عاشوراء الذي نصر الله فيه نبيه موسى عليه السلام وأتباعه المؤمنين المستضعفين، فيؤدي فيه المسلمون زكاة أموالهم، ويزيدون على ذلك بالتوسعة على الأهل والعيال، ويشكرون الله تعالى بالإكثار من النوافل والقربات ومساعدة الفقراء والمساكين، ويكونون بذلك قد جمعوا بين عبادات كثيرة وقربات عديدة ينالون بها الأجر من الله، ويستحقون بها الحياة الطيبة التي وعد الله بها عباده المؤمنين الصالحين، حيث قال سبحانه وتعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
اللهم أغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك وارزقنا الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة يارب العالمين.

التعليقات مغلقة.