الدورة السادسة للجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية حين يصدح صوت العقل في زمن التردي

" السياسة حين تُفرغ من القيم تتحول إلى فن إدارة الخراب " أنطونيو غرامشي

الانتفاضة.  ؛ محمد أمين وشن
في الوقت الذي تتسارع فيه مؤشرات التدهور على مختلف الواجهات الوطنية، عقد حزب التقدم والاشتراكية دورته السادسة للجنة المركزية يوم الأحد 6 يوليوز 2025، مقدماً من خلالها ليس فقط تقريراً سياسياً عادياً، بل وثيقة تحليلية ومرجعية تؤكد تموقع الحزب في طليعة القوى التقدمية التي ترفض الاستسلام لمنطق الرداءة و التبخيس السياسيين ، وترفض كذلك التطبيع مع فشل حكومي مستمر في التنكر لانتظارات المغاربة .
الأمين العام محمد نبيل بنعبد الله، وهو يتلو التقرير باسم المكتب السياسي، لم يكتف بتوصيف الأعطاب، بل توجه مباشرة إلى جوهر الأزمة معددا مساوئ حكومة الاوليغارشية كونها حكومةٌ متعالية ، عاجزة ، محاطة بشبكات من تضارب المصالح ، ومنهمكة في تسويق الأوهام بدل تقديم الحلول كما أنها فشلت في الوفاء بالتزاماتها الاقتصادية والاجتماعية، واستسلمت لمنطق تقنوقراطي جاف فاقد للحس السياسي والبعد الديموقراطي ، ترى في المواطن رقماً انتخابيا ً، لا إنساناً من لحم ودم يحتاج إلى كرامة وعدالة وفرص متكافئة .
التقرير كما تلاه الأمين العام محمد نبيل بنعبد الله على مسامع أعضاء اللجنة المركزية لحزبه كشف بالأرقام عن فشل اقتصادي بيّن تجلى في تباطؤ في النمو و عجز في التصنيع وانهيار للفلاحة التضامنية و إفلاس للمقاولات وغلاء فاحش تُرك للمضاربين دون رقيب ، أما اجتماعياً فالأمر لا يقل مأساوية حيث هشاشة متفاقمة ، ملايين المواطنات و المواطنين بدون تغطية صحية فعلية ، منظومة تعليمية متراجعة ، وخدمات عمومية تُفَوَّتُ تدريجياً باسم التمويلات المبتكرة ، فيما المواطن البسيط يؤدي الثمن مضاعفاً ، الفساد لم يكن عرضاً في هذا التقرير، بل تم تناوله كأحد أسس التدبير الحكومي الحالي ، حيث رُصد تضارب المصالح في أعلى مواقع المسؤولية ، خصوصاً في ملف صفقة تحلية مياه البحر، والتي لم يجد رئيس الحكومة حرجاً في الدفاع عنها من موقع التداخل بين السلطة والمصلحة الخاصة، في سابقة لم يشهدها الواقع السياسي المغربي من قبل .                      وعلى المستوى السياسي، فإن حالة الانحباس لم تعد مجرد انطباع ، بل واقع مؤسسي تؤكده ممارسات الحكومة في تغييب النقاش العمومي ، و خنق حرية الصحافة ، والتعامل مع المجتمع بآليات التحكم بدل التشاركية. ورغم كل هذا، كانت لحظة ملتمس الرقابة فرصةً دستورية لمحاكمة هذا الأداء ، لكن تم إجهاضها لا لضعف المضمون ، بل بسبب غياب الإرادة لدى أطراف من المعارضة ، التي فضلت الحسابات الضيقة على الجرأة ، والمواقع على المبادئ.
حزب التقدم والاشتراكية من خلال هذه الدورة ، لم يتحدث بلغة الاحتجاج فقط ، بل بلغة البناء إذ قدم تصوراً متكاملاً لبديل ديموقراطي تقدمي ، يستند إلى دولة قوية ، ديموقراطية، اجتماعية ، تنتصر للعدالة المجالي ة، تضع الإنسان في قلب النموذج التنموي ، وتؤمن بأن الكرامة لا تُجزّأ. البديل المقترح يدعو إلى إطلاق إصلاح ديموقراطي شامل، يبدأ من تجديد المنظومة الانتخابية، وتحقيق المساواة الفعلية بين النساء والرجال، ودمقرطة التعليم والصحة والثقافة، وإنهاء الفساد البنيوي عبر إصلاح جبائي عادل وتوزيع منصف للثروة. إنه البديل الذي يثوق لصناعة السيادة الإنتاجية، وتكسير التبعية، وتعزيز المكانة الجيوستراتيجية للمغرب بقرارات مستقلة وشراكات متوازنة.
ففي زمن الصمت والانحناء، يأتي صوت اللجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية واضحاً لقول الحقيقة، و الدفاع عن الأمل، ولعرض البدائل الممكنة من أجل مغرب يليق بمواطنيه. فليس من قدر المغاربة العيش بين وهم الدولة الاجتماعية وواقع الخوصصة المقنعة، ولا بين شعار الكفاءات وحقيقة الانغلاق النخبوي، بل من حقهم أن يحلموا بدولة تشتغل من أجلهم، لا من أجل قلة محظوظة تحتكر القرار والثروة.
لقد قدم محمد نبيل بنعبد الله، من خلال التقرير الذي تلاه في هذه الدورة، مرآة سياسية صادقة، عكست صورة حكومة تتعالى حين يُطلب منها التواصل، وتتواري حين يُطلب منها الحساب، وتتبجح بإنجازات وهمية وسط صمت الفاعل السياسي . حكومة تحكم بمنطق الإعلان وتُخفي واقعاً اجتماعياً يئنّ، واقتصاداً يعجز عن خلق الأمل، وسياسة تحولت إلى شعارات تُسوَّق بلا أثر

التعليقات مغلقة.