ارتفاع مستوى المحيطات يتسارع بوتيرة مقلقة.. والعالم أمام تحد غير مسبوق

الانتفاضة // ابتسام بلكتبي // صحفية متدربة

أظهرت دراسة علمية حديثة أمس الخميس 29 ماي 2025، أن ارتفاع مستوى سطح البحر يتسارع بمعدلات تفوق التوقعات، ولا توجد مؤشرات تدل على احتمال تباطئه في المستقبل القريب، حتى في حال تحقيق أكثر أهداف المناخ طموحا.

وبحسب الدراسة المنشورة في مجلة اتصالات الأرض والبيئة، فإن الالتزام بالهدف الرئيسي لاتفاق باريس للمناخ المتمثل في الحد من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية لن يكون كافيا لمنع حدوث تغييرات جذرية في مستوى المحيطات.

وتشير النتائج إلى أن ذوبان الجليد في المناطق القطبية سيفضي إلى ارتفاعات خطيرة في مستوى سطح البحر، مما سيعيد رسم معالم السواحل ويهدد حياة مئات الملايين من البشر الذين يعيشون في المناطق الساحلية المنخفضة.

واعتمد الباحثون في دراستهم على بيانات الأقمار الصناعية، وتحليل أنماط المناخ القديمة، ونماذج تنبؤية محدثة، ليرسموا صورة مستقبلية قاتمة، حيث تشير التقديرات إلى أن معدل ارتفاع البحر قد يتجاوز سنتيمترًا واحدًا سنويا في غضون بضعة أجيال، إذا استمرت معدلات الاحترار الحالية دون تغيير.

وأكد الأستاذ كريس ستوكس، المؤلف الرئيسي للدراسة من جامعة دورهام البريطانية، أن الوصول إلى هدف 1.5 درجة سيكون إنجازا كبيرا، إلا أنه لن يمنع تسارع ارتفاع مستوى البحر إلى مستويات يصعب التعامل معها. وأضاف، “ربما نكون أمام واقع يتجاوز قدرات التكيف البشرية، ما لم تُتخذ إجراءات جذرية وعاجلة”.

وبحسب الدراسة، فإن نحو 230 مليون شخص يعيشون حاليا على ارتفاع لا يتجاوز مترا واحدا فوق مستوى سطح البحر، بينما يقيم أكثر من مليار نسمة في مناطق لا يتجاوز ارتفاعها 10 أمتار. وهذا يعني أن أي زيادة بسيطة قد تؤدي إلى فيضانات كارثية، وتهجير جماعي للسكان، وخسائر اقتصادية تقدر بتريليونات الدولارات في غضون عقود قليلة.

أحد أبرز التحذيرات في الدراسة يتعلق بحساسية الصفائح الجليدية، خاصة في غرينلاند وغرب القارة القطبية الجنوبية، إذ تُظهر الأقمار الصناعية ذوبانا بمعدل 400 مليار طن سنويا من الجليد في هاتين المنطقتين، وهو ما يعادل كميات مياه كافية لرفع مستوى سطح البحر عشرات الأمتار.

وأشار ستوكس إلى أن الذوبان الجليدي لا يسير بوتيرة ثابتة، بل قد يتسارع بشكل مفاجئ مع تجاوز درجات حرارة معينة، وهو ما يسميه العلماء “نقاط التحول المناخية”. ويبدو أن عتبة الـ1.5 درجة قد تكون كافية لبدء انهيار غير قابل للرجعة لهذه الصفائح.

وأظهرت مقارنة مع حقب جيولوجية سابقة أن مستويات البحار كانت دائما تستجيب ببطء ولكن بثبات لأي زيادة في درجة حرارة الأرض، وهو ما يعني أن التغيرات التي نشهدها اليوم ليست سوى بداية لمسار طويل المدى يصعب وقفه.

وخلصت الدراسة إلى أن الأمل في السيطرة على ارتفاع منسوب البحار يتطلب تخفيض درجات الحرارة إلى نحو درجة واحدة فقط فوق المعدلات الطبيعية، أو حتى أقل. وهو ما يستدعي تغييرا جذريا في أنظمة الطاقة والاقتصاد، وربما اللجوء إلى تقنيات الهندسة الجيولوجية أو إعادة توطين المجتمعات الساحلية المعرضة للخطر.

وفي ضوء هذه المعطيات، بات واضحا أن تأخر التحرك لم يعد خيارا، إذ ستواجه مدن كبرى حول العالم خطر الفيضانات المدمرة، ولن يكون أمام العالم سوى ضخ استثمارات هائلة في الدفاعات الساحلية والتخطيط طويل الأمد للتكيف مع واقع مناخي يتغير بسرعة مقلقة.

التعليقات مغلقة.