الجامعة المغربية بين أزمة الثقة وضرورات الإصلاح

الانتفاضة/ بقلم : محمد السعيد مازغ

تعيش الجامعة المغربية وضعًا مقلقًا، يتجلى في تصاعد مؤشرات فقدان الثقة في مؤسسات التعليم العالي، كما تعكسه تصريحات عدد من الفاعلين التربويين، وفي مقدمتهم وزير العدل، الذي حذّر من احتمال محاسبة أي مسؤول إداري بمجرد فتح تحقيق في تدبيره، ومن تورط بعض الأساتذة في بيع الشهادات لسنوات دون انكشاف أمرهم. هذه الوقائع تفضح اختلالات بنيوية تضعف صورة الجامعة، وتغذّي شعورًا عامًا بانعدام الرقابة وتفشي التسيب داخل الحرم الجامعي.

ولا تقتصر الأزمة على الأطر الإدارية والتربوية، بل تمتد إلى صفوف الطلبة، حيث تشير بعض التقديرات، كتصريح الدكتور معتوق، إلى أن حوالي 80% منهم باتوا يعتمدون على الغش بدل الاجتهاد، في ظل تراجع قيم الانضباط والنزاهة. ويزيد الوضع سوءًا تفشي سلوكيات غير تربوية، مثل الغيابات المتكررة للأساتذة، والتساهل في مراقبة الحصص، وفرض اقتناء مؤلفات كشرط للنجاح، إلى جانب تعطيل طلبة الماستر في بعض الجامعات وحرمانهم من فرص المشاركة والانخراط.

هذا الواقع دفع عددًا من الطلبة إلى البحث عن بدائل، سواء بالاتجاه نحو التعليم الخصوصي أو بالانخراط المبكر في سوق الشغل، ما أفقد الجامعة جاذبيتها ودورها التأطيري. ورغم وجود أساتذة نزهاء يبذلون جهودًا مشكورة للحفاظ على سمعة المؤسسة، إلا أن النظرة النمطية السلبية تطال الجميع، دون تمييز.

لقد تحوّلت هذه التجاوزات إلى أزمة هيكلية تمسّ الحكامة والتقييم وضمان الجودة. وفي غياب إصلاح فعلي، تتآكل الثقة عامًا بعد آخر، وتفقد الشهادات الجامعية من مصداقيتها داخليًا وخارجيًا، فيما يدفع الطلبة المجدّون الثمن رغم براءتهم من هذا الانهيار.

الجامعة اليوم أمام مفترق طرق: إما الشروع في إصلاح شجاع يعيد لها الاعتبار، أو الاستسلام لمزيد من التردي بما يحمله من كلفة وطنية وتنموية باهظة. ويتطلب هذا الإصلاح استرجاع الثقة بين مكونات الجامعة، والتصدي لكل أشكال الفساد، وعلى رأسها إقرار مبدأ الاستحقاق في الولوج لسلكي الماستر والدكتوراه بعيدًا عن منطق الزبونية والانتماءات، الذي يحرم الكفاءات الشابة من آفاق التميز والبحث العلمي.

فالجامعة ليست مجرد مبنى أو شهادة، بل فضاء لتكوين الإنسان وصناعة المستقبل. فهل نملك الشجاعة لبدء الإصلاح من الداخل… قبل فوات الأوان؟

التعليقات مغلقة.