الانتفاضة // بقلم : محمد السعيد مازغ
منذ أن انخرطت في متابعة الشأن العام ومارست العمل الصحفي، كانت تصلني باستمرار أخبار عن توقيف مروّجي المخدرات وتجفيف منابع الترويج. أخبارٌ بدت لسنوات متفرقة وأشبه بالروتين: كميات محدودة من الحشيش، ربطات من الكيف والتبغ، أقراص مهلوسة، وبلاغات أمنية مطمئنة تؤكد أن “الشرّ تحت السيطرة”.
لكن شيئًا ما تغيّر في السنوات الأخيرة. تصاعدت الأرقام، واتسعت رقعة العمليات، وتحوّلت المعطيات من حوادث متفرقة إلى معطيات صادمة: أطنانٌ تُضبط، وطرق تهريب شديدة التعقيد تُكتشف، داخل شحنات الفواكه والأسماك، في جوف البشر، أو مدفونة بإحكام ضمن صادرات موجّهة للخارج.
الرباط، سلا، آسفي، الصويرة، تافضنة، مراكش، الكركرات… مدن ومناطق متفرقة، لكنها اجتمعت في مشهد واحد: وطن يخوض حربًا بلا هوادة ضد شبكات عابرة للحدود، تتقن التمويه، وتستغل هشاشة الفئات الضعيفة لنشر سمومها في صمت قاتل.
مساء أحدٍ عادي، انقلبت شاحنة على الطريق الوطنية رقم 6 قرب “أربعاء السهول”، فكشفت صدفة عن شحنة ضخمة كانت متجهة نحو العاصمة. في معبر الكركرات، أُحبِطت محاولة تهريب ثلاثة أطنان من الشيرا، بينما باغتت شرطة آسفي مروّجين بشحنة تفوق الطن. لكن العملية الأضخم كانت بالصويرة، حيث تم حجز 17 طناً و740 كيلوغراماً من الشيرا، بفضل معلومة استخباراتية دقيقة.
وتعيد هذه الوقائع إلى الأذهان تصريحاً شهيراً للراحل عبد الحق الخيام، المدير السابق للمكتب المركزي للأبحاث القضائية، حين كشف عن حجز طنين من الكوكايين الخام بضيعتين داخل المغرب، مشيرًا إلى أن نسبته البالغة 93% تعني قابليته للتضاعف خمس أو ست مرات قبل توزيعه في القرى والمدن، بقيمة مالية مهولة.
ليست معركة عابرة، بل حرب طويلة النفس ضد شبكات إجرامية محكمة التنظيم، متطورة الوسائل، وعالية التمويل. وطنٌ يقظ لا ينام، وأجهزة أمنية تسابق الزمن: الأمن الوطني، الدرك الملكي، مصالح الجمارك، والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، جميعها في حالة استنفار دائم.
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يعلو صوت المسؤولية الجماعية. فالمعركة لم تعد فقط أمنيّة، بل وجودية. يجب الضرب بيد من حديد على كل من يستهدف عقول شبابنا، ويستبيح الوطن في جسده وروحه، بلا تهاون ولا استثناء..
التعليقات مغلقة.