الإعلام التقليدي في مواجهة طوفان السوشيال ميديا.. من يملك الحقيقة؟

الانتفاضة // إبتسام بلكتبي // صحفية متدربة

في عصر تتدفق فيه المعلومات بلا انقطاع، وتصل فيه الأخبار من كل صوب عبر شاشات الهواتف، بات من الصعب التمييز بين الحقيقة والتضليل، فقد غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي مشهد الإعلام العالمي، وأحدثت خللا في موازين القوى بين الصحافة المهنية ومنصات لا تعترف بقواعد المهنة أو مسؤولياتها الأخلاقية.

وتُظهر إحصاءات صادرة عن مركز بيو للأبحاث، أن أكثر من 53% من البالغين حول العالم يحصلون على الأخبار من وسائل التواصل الاجتماعي، مقارنة بـ38% فقط ممن يعتمدون على الصحف أو القنوات التقليدية.

وفي دراسة أجرتها رويترز سنة 2024 شملت 46 دولة، حيث قال 56% من المشاركين إنهم لا يثقون بالمحتوى الإخباري الذي يشاهدونه على فيسبوك وتويتر، رغم أنهم يستخدمونه كمصدر رئيسي للمعلومات.

ورغم هذا التناقض، فإن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت مرآة فورية لما يجري، حيث تتيح لأي فرد بصرف النظر عن خلفيته أو تأهيله أن ينشر، ويعلّق، ويصنع رأيًا عامًا. فهل نحن أمام مساحة حرة تعزز الديمقراطية؟ أم فوضى معرفية تهدد الوعي العام؟

الصحافة في مواجهة منافس لا يخضع للقواعد

تواجه الصحافة التقليدية تحديا غير مسبوق، فمنصات مثل تيك توك، التي بلغ عدد مستخدميها النشطين عالميًا أكثر من 1.5 مليار مستخدم في 2024، تقدم محتوى جذابا وسريعا يتجاوز تأثيره ملايين المشاهدات في ساعات. في المقابل، تعتمد الصحف على عملية تحريرية طويلة، تخضع للتحقق والتدقيق.

ووفق تقرير الاتحاد الدولي للصحفيين، فإن أكثر من 64% من المؤسسات الإعلامية حول العالم أبلغت عن تراجع في عدد قرائها خلال السنوات الثلاث الماضية، مقابل ارتفاع معدلات التفاعل مع المحتوى الإخباري على المنصات الرقمية بنسبة 71%.

ومع ذلك، لا يستطيع الصحفي اليوم تجاهل السوشيال ميديا، إذ يستخدمها لمتابعة الأحداث العاجلة، وجمع الشهادات، والتفاعل مع جمهوره.

حرية التعبير أم سلاح تضليل؟

ترى منظمات حقوقية مثل “فريدوم هاوس” أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في توسيع هامش حرية التعبير عالميا. لكن بالمقابل، تستغلها جهات سياسية واقتصادية لنشر الشائعات، والتأثير على الرأي العام.

وفي انتخابات 2020 الأمريكية، رصدت منصات مثل فيسبوك أكثر من 180 مليون منشور كاذب أو مضلل. فيما تؤكد دراسة لـجامعة أكسفورد سنة 2023 أن أكثر من 70 دولة تستخدم جيوشا إلكترونية لنشر محتوى مضلل وتوجيه النقاشات الرقمية.

الصحفي المهني… حارس البوابة في زمن الفوضى

رغم كل التحديات، تبقى الصحافة المهنية التي تقوم على التحقيق والتدقيق والتوازن حجر الزاوية في بناء الوعي العام، فهي الوحيدة القادرة على الوقوف في وجه سيل المعلومات غير المنضبطة، بفضل أدواتها المهنية مثل: التحقق من المصادر، الرقابة الذاتية، مراعاة التوازن والحياد، والالتزام بالمساءلة القانونية.

لكنها مطالبة اليوم بأكثر من ذلك، لا يكفي أن تلتزم بالقواعد فحسب، بل يجب أن تجيد استخدام أدوات العصر، وتخاطب الجمهور بلغته، وتدخل بقوة إلى الساحات الرقمية دون التخلي عن المبادئ الأساسية للمهنة.

وفي مواجهة هذا الواقع المتداخل، تبرز “التربية الإعلامية” كضرورة وطنية وثقافية. إذ لم يعد ممكنا ترك القارئ في مواجهة خوارزميات تصنع له عالمه المعرفي دون أن يمتلك أدوات التفكير النقدي.

وفي هذا السياق، توصي اليونسكو بدمج التربية الإعلامية في المناهج المدرسية منذ المراحل الأولى، وتعليم الطلاب كيفية تحليل الأخبار، التحقق من المصادر، والتمييز بين الرأي والحقيقة.

التعليقات مغلقة.