الانتفاضة // إلهام أوكادير // صحفية متدربة
من أقوى المنعرجات التي يعاني فيها الإنسان اليوم على مستوى العالم، و في الدول العربية خاصة، هو تصادم الفكر الجديد مع بندولات الأعراف و التقاليد الموروثة، التي مازالت تفرض نفسها و بقوة، في شتى المناحي الحياتية للأفراد، والتي مازالت تُلزمه في أحيانٍ كثيرة، باتباع نمط معين من التفكير، و التصرفات، و المعتقدات بل وحتى الإاختيارات المصيرية و القرارات، وإن كانت تخالف ما يؤمن به هو كشخص مستقلّ فكريّاً، كونها تمثل ما يسمّى التقاليد و العادات، وهو ما تعتزّ به شعوب كثيرة، وعلى مدار الزمن.
في الوقت الذي استطاع فيه البشر أن ينسلخوا من جلّة موروثات و معتقدات اجتماعية، أثبت الزمن ردائتها و تفاهة الإلتزام بها، مازالت مجتمعات كثيرة متشبثة بأنماط فكرية و عادات و تقاليد و معتقدات، لطالما التزوا بها و ألزموا الأجيال المتوالية بها، هؤلاء الذين يجدون أنفسهم اليوم في مفترق طرق، بين ما إفتدت إليه أنفسهم هم من قناعات إيجابية تخدم مصالحهم الآنية في هذا العالم المتجدّد، و ما هو مبرمج في الأوساط المجتمعية، بحكم العُرف. بل إن الأمر يصل في أحيانٍ كثيرة، لحدّ العقاب، تحت مسمى ” المتمرّد و العاصي ”
فإلى أي حد يستطيع الفرد، اليوم، أن يتمتع بحريته الفكرية و السلوكية، في ظل ما نندرج نحن فيه، من تصنيفات اجتماعية و مادية و عرقية و كذا عقائدية بل وحتى شكلية؟ . هل يستطيع فعلا أن يعمل وفقا لاختياراته الشخصية و دون اعتبارات لأطراف خارجية، و دون أن يمسّ ذلك بعلاقاته الاجتماعية التي تربطه بأسرته و مجتمعه ؟ و ما السبيل إلى ذلك؟
بداية ، دعونا نقف على مفهوم الحرية و بشك مختصر، حتى نتمكّن من وضع أقدامنا على أرضية النقاش و التحليل المنطقيّ .
تعرف الحرية بأنها، إمكانية الفرد على اتخاذ قرار، أو تحديد اختيار، دون أي جبر أو ضغط أو تأثير خارجيّ، وهو ما يتوافق مع الطبيعة البشرية للإنسان، والتي لا تجد ملاذها إلا في ظلّ هذا الوسع .
و بناءاً على ذلك، فإن أي تصرف أو قرارا أو اختيارٍ يُصدره الفرد دون أن يكون متمتّعاً بالإرادة الكاملة و الحرية المطلقة، لا يعدّ فعلاً صحيحاً، ولا يمثلّ رغبته الحقيقية، ولا يمتّ للعدل بصلة. و هذا يعني أن أي تأثير خارجي مجتمعي كان أم غيره، من شأنه أن يشوّه تمتع الفرد بأرقى القيم، التي متّع الله تعالى بها عباده كافة. يُعدّ تجاوزاً خطيراً لحدّ من الحدود المسطرة للإنسان.
غير أنّ شعورالقيد لا يعني بالضرورة أن يكون الفرد مقيدا بشكل فعلي من الآخرين و إن كان ذلك حاصلاً، بل إنه يكمن أساساً في أنّ الإنسان يظلّ عالقاً في صندوق أفكاره الأسود، و ضمن الحدود المسطّرة بشكل مسبق و مبرمج، دون أن يعيَ للأمر، فيشعرَ دائما أنه مكبّل اليدين و أنّ محيطه لا يتناسب و أفكاره المتحررة.
و رغم ما يكتسيه هذا الموضوع من أهمية بالغة في قدرة المرء على المضيّ قدماً نحو آفاقٍ ابداعية حرةٍ و خاليةٍ من كل التعقيدات المتجاوزة، إلا أنّ الفئة العظمى، تظلّ قابعةً في أعماق التحفّظ و النمطية، التي تمثّلُ منطقة الراحة لديهم، حيث يجتنبون اللّوم والسخط الإجتماعي الذي سيلحقهم، إذا ما خرجوا عن دائرة القطيع، دون أن يتجرّؤا على إحداث تغييرات، أو السماح لغيرهم بذلك. بل أنّ هناك من يستمر في استهلاك افكارٍ لم تُثمر يوماً، حيث كانت سببا لمعانات متتالية، كتلك التي نشهدها في صفوف الزيجات، و مواضيع المرأة و الشرف، وغيرها من الطابوهات المليئة بالشوائب و الخزعبلات والأساطير .
من جهة أخرى، نودّ التأكيد على أنّ حدود الحرية، يجب أن تكون مقننة و مؤطرة، حتى لا تتأثر حرية الآخر، خاصة و نحن نتقاسم معه الحياة، وهذا أمر هام، فالحرية المطلقة تكمن في ما يخصني أنا كشخص مستقل، كرأيي و اختياراتي و قراراتي ومعتقداتي، التي لها تأثير مباشر على حياتي الخاصة فقط، دون أن يمتدّ ذلك إلى المساس بحدود الآخرين و حرمانهم من ممارسة ذات الحقّ.
فمتى ما تمّل التعامل مع الأمر بهذا المنطق، كان لكلّ منا مساحته الخاصة، التي تسمح له بممارسة حقه في الحياة، بما يتناسب مع رغباته الشخصية و طموحاته، وإن كانت بشكل مخالف لتصوّرات الآخرين و ما اعتادوه، لتتجلّى بذلك قيمم التسامح الحقيقي .
التعليقات مغلقة.