الانتفاضة
رغم اختلاف المشارب والانتماءات، ورغم تباين الآراء وتعدد الرؤى، إلا أن المغاربة — قاطبة — يتفقون على أمر واحد لا خلاف فيه، ولا جدال حوله: الملكية خط أحمر، وثابت من ثوابت الوطن، ومصدر للأمن والوحدة والاستمرارية.
ابى من ابى، وكره من كره… فالملك في المغرب ليس مجرد حاكم دستوري يوقّع على القوانين أو يفتتح الجلسات، بل هو رمز أمة، وعمود خيمتها، وسندها الذي تلوذ به عند المحن، وضامن لوحدتها وتماسكها. من الشمال إلى الجنوب، من الحواضر إلى القرى النائية، تظل صورة الملك حاضرة في وجدان المغاربة، ليس فقط كقائد، بل كأب يرعى، ويحمي، ويسهر على شعبه.
نعم، لسنا في المدينة الفاضلة، ولسنا في عالمٍ بلا أخطاء، فالكمال لله وحده. لكن حتى حين تعترضنا الصعوبات، وتُظلم بعض الزوايا، ونختلف في التفاصيل، فإن البوصلة لا تنحرف: وجود الملكية ضروري في حياة كل مغربي، لأنها الضامن الأسمى للدين، والحافظ لوحدة التراب، والصمّام الذي يمنع الفوضى، ويحمي الوطن من كل انجراف.
في عالم مضطرب، غارق في الحروب والانقسامات، أين نجد اليوم وطناً عربياً حافظ على استقراره، وعلى نسيجه المجتمعي، كما فعل المغرب؟ الجواب واضح… بفضل الله أولاً، ثم بفضل المؤسسة الملكية التي ظلت حَكيمة في اختياراتها، وقريبة من شعبها في لحظات الشدة قبل الرخاء.
ما لا يعرفه كثير من الناس هو أن الملك يلعب أدوارًا تتجاوز الصورة البروتوكولية أو الظهور الرسمي. فهو لا يكتفي بإمضاء القرارات أو ترؤس المجالس، بل يتدخل في أوقات الأزمات، ويوجّه عند اللحظات الفاصلة، ويُوازن بين القوى حين تختل المعادلات. كم من أزمة سياسية تم تفاديها بفضل حكمته؟ كم من ملف عالق حُلّ بتدخله المباشر؟ وكم من فئة مهمشة وجدت نفسها في صدارة الاهتمام الملكي دون أن تطالب أو تحتج؟
الملك، بفضل موقعه، يرى ما لا نراه نحن، ويتحرك في دوائر معقدة — داخلية وخارجية — لا يصل إليها المواطن العادي، ولا حتى كثير من الفاعلين السياسيين. هناك قرارات تُبنى على توازنات دقيقة، وعلى مصالح عليا للبلاد لا يمكن كشف تفاصيلها دون تعريض الاستقرار للخطر.
الدبلوماسية الهادئة التي يقودها، الوساطات الإقليمية، صيانة الهوية الدينية من خلال إمارة المؤمنين، الوقوف على المشاريع التنموية في القرى والمناطق المهمشة… كلها مهام لا تُقاس بالكلام، بل تُقاس بأثرها الذي قد لا يراه العموم اليوم، لكنه يظهر جليًا مع مرور الزمن.
منذ قرون، والمغاربة ينسجون عقد البيعة على قاعدة المحبة والثقة، لا على الخوف أو الإكراه. والبيعة هنا ليست ورقة أو تقليداً فقط، بل عهد بين ملك وشعب، كلٌ منهما يعرف قدر الآخر، ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
قد نعاتب، وقد ننتقد بعض السياسات، وقد نطالب بالإصلاحات، وهذا من حقّنا كمواطنين. لكن حين يتعلق الأمر بالعرش، فالخيار محسوم، والحب راسخ، والوفاء متجذر: نحن مع الملك، مع الاستقرار، مع الوحدة، مع الوطن.
التعليقات مغلقة.