الانتفاضة// محمد السعيد مازغ
لم يكن أحمد مجرد شاب عادي يتنقل بدراجته النارية، بل كان إعصارًا يجوب شوارع مدينة الرياح ، صوته يسبق حضوره، وضجيج محرّكه يعلن وصوله قبل أن تلمحه العيون. لم تكن السرعة وسيلته للانتقال فحسب، بل كانت طريقته في إثبات وجوده، في تحدي المألوف وكسر القواعد. كان يقفز بين السيارات، يراوغ المشاة في الأزقة الضيقة، لم يكن يؤمن بإشارات المرور ولا بعلامات المنع، فالقانون، كما كان يراه، لم يُخلق لمن هم في مثل مكانته. كان الشارع مملكته، والمدينة ملعبه، يتراقص بين السيارات، يقتحم الأرصفة، ويغامر وكأن جسده مصنوع من الفولاذ…… – لم يكن يفعل ذلك خشية من الحوادث، بل لأنه لا يريد أن يُفسد متعته بسقطة غير محسوبة، لكن في سباق الحياة، هناك دائمًا خط نهاية- ..
“ولد الفشوش”… هكذا كان يناديه الجميع، ليس إعجابًا، بل سخرية من ترفه وطيشه. ورث ثروة ضخمة عن والده الإقطاعي، لكنه لم يرث الحكمة معها. كانت الأموال تُنفق بسخاء، تشتري له كل شيء إلا السعادة. كان محاطًا بوجوه تضحك له، تمدحه، تلازمه في الولائم والسهرات، لكنه كان يعرف حقيقتهم… لم يكونوا أصدقاءه، بل كانوا أصدقاء جيوبه الممتلئة. في ليلة باردة، بعد سهرة صاخبة، انطلق أحمد بدراجته بسرعة جنونية، وكأن شيئًا مجهولًا يطارده. الرياح تعصف بوجهه، لكن نشوته بالسرعة كانت أقوى. عند منعطف حاد، حاول أن يناور، لكن هذه المرة خانته العجلات، وانزلقت الدراجة في لحظة مميتة. تعالت صرخات المارة، ثم… صمت رهيب.
.عندما فتح عينيه، كان في سرير المستشفى الإقلمي. جسده محطم، وأصدقاؤه الذين كانوا يحيطون به في الولائم والسهرات اختفوا وكأنهم لم يكونوا يومًا في حياته. لأول مرة، نظر إلى المرآة فرأى شابًا غريبًا، منهكًا، فقد بريقه وأوهامه. أدرك متأخرًا أن السرعة لم تكن تقوده إلى المجد، بل كانت تجرّه نحو الهاوية.
حينما خرج من المستشفى، شعر بشيء غريب يملأ قلبه. لم يكن كما كان من قبل. أصبحت خطواته ثقيلة، معتمدًا على عكازين لم يكن يود رؤيتهما في حياته. كان يلاحظ النظرات الباردة التي كانت تلاحقه من كل جانب، تلك التي تحمل في طياتها احتقارًا لا يرحم. في تلك اللحظة، أدرك أنه قد دفع ثمن تصرفاته الطائشة، وأن دعاء من أساء إليهم، أو ظلمهم بطغيان، قد طالما أثقل على قلبه. قرر دون تردد أن يبيع دراجته، تلك التي كانت مصدر فرحه وتسلّيه. وأدار ظهره لحياة اللهو والعبث، ليبدأ رحلة البحث عن معنى آخر للحياة، معنى لا تصنعه الأضواء الزائفة ولا تخدعُه الضحكات العابرة.
التعليقات مغلقة.