الانتفاضة
لا يعد التأمل في أحوال البلاد والعباد مجرد تسلية رمضانية أو استراحة للتأمل العابر، بل هو نافذة تكشف عن واقع يتأرجح بين التناقضات والاختلالات، حيث تتبدى المفارقات بوضوح، دون أن تجد لها تفسيرًا في القواميس أو المعاجم. فرغم وضوح هذه المشكلات، يبدو أن لا أحد يمتلك القدرة على التغيير، ولا أذنٌ صاغية تتقبل النقد البناء بعيدًا عن التفسيرات المغرضة والحسابات الضيقة.
في ظل هذا المشهد، لا نملك سوى الأفكار والكلمات، سلاحنا الوحيد في مواجهة واقع يفرض علينا إما الرد بالحجة والمنطق أو الانصراف عنه بصمتٍ ثقيل. وفي قلب مدينة مراكش، تتجلى صورة أخرى لهذه التناقضات، حيث مشاريع البنية التحتية المفتوحة تسير بوتيرة بطيئة تثير التساؤلات، وكأنها تخضع لإيقاعٍ متعمد يثير الشك حول طبيعة هذه الصفقات وما يحيط بها من غموض.
اعتاد المواطنون عند بناء أو إصلاح العقارات على إبرام اتفاقات واضحة مع المقاولات، حيث يتم تحديد الأجر مسبقًا وفق صيغتين رئيسيتين: إما عقد شامل تتولى فيه المقاولة تنفيذ الأشغال كافة مقابل مبلغ إجمالي يُدفع على مراحل، أو أجر يومي يقتصر فيه دور المقاول على تنفيذ العمل، بينما يتكفل صاحب المشروع بتوفير المواد اللازمة.
الصيغة الأولى هي الأكثر تفضيلًا، إذ تحفز المقاولين على إنهاء العمل بسرعة لتعظيم هامش الربح، فكل يوم تأخير يعني تكاليف إضافية. في المقابل، تُثير الصيغة الثانية مخاوف كثيرة، حيث يتعمد بعض العمال إبطاء وتيرة العمل لإطالة مدة الاشتغال والاستفادة من أجر يومي لفترة أطول.
لكن المفارقة تتجلى في الأشغال العمومية، حيث تسير الأمور بعكس ذلك تمامًا. مشاريع يفترض أن تُنجز في أسابيع أو شهور تمتد لسنوات، رغم الميزانيات الضخمة المخصصة لها. تلجأ بعض المقاولات إلى تقليص عدد العمال، مما يطيل مدة الإنجاز، دون اكتراث لمعاناة السكان والتجار الذين يجدون أنفسهم محاصرين بالأتربة والحواجز، ما يؤدي إلى خسائر مادية فادحة وإغلاق محلاتهم التجارية.
ويبرز هذا المشهد بوضوح في شارع محمد الخامس بمراكش، حيث تسببت الأشغال الممتدة بلا أفق واضح في تعطيل النشاط التجاري، وسط أسلاك كهربائية متناثرة وحواجز تعيق الحركة، مما دفع بعض المطاعم والمقاهي إلى الإغلاق التام، في انتظار انتهاء ورش يبدو أن الزمن لا يؤثر في تقدمه.
التعليقات مغلقة.