الانتفاضة
في زحمة المشاغل اليومية، تتسلل بعض الأخبار التي تبدو للوهلة الأولى مجرد شائعات عابرة، لكنها سرعان ما تتحول إلى مرآة تعكس واقعًا مشوهًا. تناقلت العديد من وسائل التواصل المكتوبة والسمعية والمرئية خبر ذلك الشخص المجهول، الذي تمكن بقدرة قادر من الحصول على مائة قفة رمضانية تحت عباءة الصحافة المحلية، ليس سوى فصل جديد من مسلسل يتكرر كل عام، بلا حسيب أو رقيب. بالأمس، كان الحديث عن خراف العيد التي استولى عليها شخص أو أشخاص زورًا، واليوم عن قفف رمضان، وغدًا… من يدري ما الذي ستجود به قريحة المحتالين في موسم جديد من العبث؟
لكن، وسط هذه الضوضاء، يبرز سؤال أكثر إلحاحًا: هل نحن أمام حقيقة موثقة، أم مجرد شائعة مغرضة؟ إن كان الأمر يقينًا، فلماذا لا تجرؤ الأقلام الصحفية على تسمية الأشياء بمسمياتها، وفضح الشخص باسمه وصفته والمنبر الذي ينتمي اليه حتى يكون عبرة لمن يعتبر ، أو التوجه بشكاية رسمية إلى الجهات المختصة؟ وإن كان مجرد خبر زائف أو تصفية حسابات، فالصمت حينها أبلغ من أي رد ، لأن الاتهام دون دليل ليس سوى فتنة مغلفة برداء الحقيقة. “قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ”.
يبقى السؤال الأكبر: من يحمي هذه المهنة من الدخلاء الذين يتسللون إليها كما يتسلل اللص تحت جنح الظلام؟ هل يقع العبء على المجلس الوطني للصحافة، أم وزارة الثقافة والشباب والتواصل، أم أن الأمر يستدعي تدخلًا حازمًا من وزارة الداخلية والنقابات المهنية؟ وبينما تتضارب الآراء، يبقى الواقع كما هو: حفنة من المنتفعين تجوب المدن والقرى، تقتنص الفرص مستغلة ضعف الرقابة، تروج الأخبار الزائفة متى اقتضت المصلحة، وتوجه الرأي العام كما تشاء، دون خوف من المحاسبة.
والأغرب من ذلك، أن الصمت أصبح رفيقًا لكثيرين، وكأن الأمر لا يعنيهم. فهل هو خوف من المواجهة؟ أم أن هناك من يستفيد من استمرار هذه الفوضى؟ أم أن الجميع استسلم لفكرة أن الضجيج كثير، لكن الأثر… لا شيء؟ في النهاية، الصحافة الحقيقية لا تُباع ولا تُشترى، ولا تترك ساحتها للدخلاء والانتهازيين. فمتى يحين الوقت لإسقاط الأقنعة، وإعادة الهيبة إلى الكلمة التي كان يُقال عنها يومًا إنها سلطة لا يعلو عليها إلا الحق؟
التعليقات مغلقة.