الانتفاضة // ✍️ وهيب الغالي
الطفلة هدى في بركان ليست سوى رقم جديد في سلسلة طويلة من الضحايا الذين يدفعون حياتهم ثمنًا لفساد البنية التحتية في المغرب حوادث السقوط في البالوعات وانهيارات الطرق والحفر العشوائية والأرصفة المقتلعة ليست مجرد مظاهر إهمال بل هي انعكاس صارخ لفوضى الأشغال التي تعمّ مختلف المدن حيث تُنجز المشاريع في غياب تام للمراقبة الصارمة وتُسند الصفقات لمن يدفع أكثر وليس لمن يحترم معايير الجودة والسلامة
في أغلب المدن المغربية من الدار البيضاء إلى مراكش ومن فاس إلى أكادير تعيش الأحياء والشوارع تحت رحمة أشغال لا تنتهي طرق تُحفر ثم تترك دون إعادة التهيئة بالوعات مفتوحة أرصفة مهدمة وإنجازات شكلية سرعان ما تكشف الأمطار هشاشتها والسبب مقاولون لا يلتزمون بأدنى معايير الجودة وغياب واضح للمراقبة الجدية حيث تكتفي السلطات بزيارات شكلية في حين أن الفساد الإداري يضمن تمرير المشاريع حتى لو كانت غير مطابقة للمواصفات
كم من طريق حديثة الإنجاز تحولت إلى برك مائية بعد أول زخات مطرية كم من مشروع تم تدشينه في أجواء احتفالية ليتحول بعد شهور إلى كارثة تحت وطأة التعرية وسوء التنفيذ الشوارع التي يُفترض أن تكون ممرات آمنة للمواطنين تحوّلت إلى مصائد قاتلة بسبب سوء التخطيط وانعدام الصيانة والأدهى أن المسؤولين لا يتحركون إلا بعد وقوع الكوارث وكأن حياة المواطنين لا تعني شيئًا أمام مصالح اللوبيات المتحكمة في قطاع الأشغال
المثير في الأمر أن هناك مؤسسات معنية بمراقبة جودة الأشغال لكن أغلبها يعمل وفق منطق المراقبة العشوائية حيث يُنتقى بعض المشاريع ليتم التدقيق فيها بينما يُترك العديد من الأوراش دون أي تتبع حقيقي المقاولات التي تُسند لها المشاريع تستفيد من هذه الفوضى حيث يتم تمرير صفقات عمومية دون شفافية مع غياب أي محاسبة حقيقية لمن يثبت تورطه في الغش والتقصير
في بعض المدن يتم فتح أوراش دون إخبار السكان تُحفر الطرق دون أدنى وسائل الأمان وتُترك البالوعات مكشوفة لتتحول إلى فخاخ تحصد الأرواح كما وقع مع الطفلة هدى هذه الممارسات لم تعد مجرد حوادث معزولة بل أصبحت تعبيرًا عن عقلية الاستهتار التي تسود قطاع الأشغال حيث تغيب الرؤية الاستراتيجية ويُنظر إلى المواطن كمجرد عابر طريق لا قيمة لحياته أمام المصالح الضيقة لأباطرة الفساد
حينما تسقط طفلة في بلوعة أو يلقى شخص مصرعه بسبب حفرة تركها مقاول عديم الضمير أو حينما تتحول مدينة بأكملها إلى مستنقع بسبب طريق مغشوشة يجب أن يكون هناك من يحاسب المسؤولية لا تقتصر فقط على المقاول بل تمتد إلى المجالس المنتخبة إلى السلطات المحلية وإلى كل من صادق على هذه المشاريع دون أن يكلف نفسه عناء التأكد من جودتها
لكن في الواقع تمر مثل هذه الحوادث دون عقاب جدي المسؤولون يخرجون ببيانات جوفاء يتم الحديث عن فتح تحقيق لكن في النهاية تُنسى القضية كما نُسيت قضايا كثيرة قبلها ويعود الفاسدون إلى تنفيذ مشاريع جديدة بميزانيات ضخمة رغم أن سجلهم مليء بالكوارث
في الدول التي تحترم نفسها يمكن أن يسقط وزير بسبب حفرة في الطريق أو يستقيل عمدة لأن شارعًا انهار بعد أيام من تعبيده أما عندنا فالأمر لا يتجاوز التصريحات الإعلامية والوعود الكاذبة فيما يستمر المواطن في دفع ثمن سوء التدبير من جيبه ومن حياته
الوقت قد حان لتغيير جذري في طريقة تدبير المشاريع العمومية بدءًا من فرض رقابة صارمة على الأشغال مرورًا بمحاسبة فعلية لكل من يثبت تورطه في الغش وصولًا إلى القطع مع منطق الصفقات تحت الطاولة لأن البنية التحتية ليست مجرد زفت يُسكب على الإسفلت بل هي أمان المواطن وكرامته وحقه في العيش في بيئة آمنة وسليمة
هدى لم تكن الأولى لكن يجب أن تكون الأخيرة وإلا فإن كل طفل يسير في شوارعنا قد يكون الضحية التالية.
التعليقات مغلقة.