“ما كاينش معامن”: صرخة في وجه العبث

الانتفاضة // محمد أزلو

تتردد بين جنبات المجتمع المغربي عبارة بسيطة، لكنها مثقلة بالمعاني والدلالات: “ما كاينش معامن”.

ليست مجرد جملة، بل هي صرخة نابعة من قلوب أثقلها الإحباط، وعيون أنهكها التحديق في مشهد يتكرر فيه العبث كأنه قدرٌ محتوم.

هي تعبيرٌ عن خيبة أمل في الإنسان، في المؤسسات، في الفكرة ذاتها التي تقوم على أن الجماعة قادرة على تحقيق التغيير.

“ما كاينش معامن” ليست وليدة لحظة عابرة، بل هي حصاد زمن طويل من الصمت والمهادنة.

هي خلاصة تجربة جماعية مع الفساد الذي تشعب كالأخطبوط، مع الحلم الذي يموت كل يوم أمام أعيننا، ومع الأمل الذي نغرسه في قلوبنا صباحًا لنكتشف أنه ذبل قبل أن يحل المساء.

في عمق العبارة، يتجلى شعورٌ بالعزلة. الفرد الذي ينطق “ما كاينش معامن” لا يعبر عن كسلٍ أو استسلام، بل عن تجربة متكررة مع الخذلان.

حاول أن يرفع صوته، أن يشارك في التغيير، أن يكون جزءًا من الحل، لكنه وجد نفسه وسط دائرة مغلقة، حيث يتآكل الحلم، ويُخنق الطموح.

المجتمع الذي يردد هذه العبارة هو مجتمع يعاني من هشاشةٍ في الثقة.

ثقة في الآخر، في المؤسسات، في القيم التي تربط الأفراد ببعضهم البعض.

حين يصبح الفرد غريبًا في وطنه، وحين يشعر أن كل محاولة لبناء شيء جديد تهدم قبل أن ترى النور، تنبثق هذه العبارة كمرآة تعكس هذا الواقع المُر.

الفساد في المغرب، كما في كثير من البلدان، ليس مجرد انحرافٍ عن القواعد أو خرقٍ للقوانين.

لقد أصبح حالة وجودية، نظامًا غير مكتوب، لكنه حاضرٌ في كل زاوية. هو الورقة التي تُدفع لتسريع المعاملات، هو الامتياز الذي يحصل عليه من يملك العلاقات على حساب من يملك الكفاءة، هو الصمت الذي يُشترى، والحقوق التي تُباع.

في ظل هذا الواقع، حين يواجه المرء الجدران في كل اتجاه، يصبح من الطبيعي أن يصرخ: “ما كاينش معامن”.

كيف يمكن التغيير حين تكون اللعبة برمتها مختلة؟ كيف يمكن بناء مجتمع سليم حين تكون القيم التي يُفترض أن تجمعنا قد انهارت؟

لكن، هل حقًا “ما كاينش معامن”؟ أم أن العبارة نفسها هي نوعٌ من الاستسلام الذي يجعل الفساد أقوى؟

في أعماق اليأس، يجب أن نتذكر أن المجتمعات لا تُبنى دفعة واحدة، وأن التغيير الحقيقي يبدأ بفرد واحد يرفض أن يكون جزءًا من دائرة الفساد، بفرد يصر على أن يكون مختلفًا، حتى لو كان الثمن عزلةً مؤقتة.

قد تكون العبارة صحيحة في لحظة معينة، لكنها لا يمكن أن تكون حكمًا أبديًا.

ربما “كاين معامن”، لكننا لم نجدهم بعد. ربما هم موجودون، لكنهم صامتون، ينتظرون من يمد إليهم اليد، من يشجعهم على الخروج من صمتهم.

إذا كان الفساد قد استشرى، فإن مقاومته تبدأ برفضه على المستوى الفردي.

حين يقرر كل واحد منا ألا يكون جزءًا من اللعبة، حين نرفض دفع تلك “القهوة” التي تطلبها الإدارة، حين نصر على الكفاءة بدلًا من المحسوبية، حينها فقط سنبدأ في استعادة الثقة.

ختامًا “ما كاينش معامن” قد تكون الحقيقة في لحظةٍ معينة، لكنها ليست قدرًا محتومًا.

المجتمع الذي يبدو مريضًا اليوم، قادر على أن ينهض غدًا، إذا قرر أفراده أن يضعوا أيديهم في أيدي بعضهم البعض.

فلنبحث عن “المعامن” في داخلنا أولًا، ولنكن جزءًا من الحل بدلًا من أن نكون جزءًا من المشكلة.

لأن العبث لا ينتصر إلا حين نستسلم له.

التعليقات مغلقة.