الانتفاضة // د . مولاي علي الخاميري // أستاذ جامعي – مراكش
أهدى لي الزميل الأستاذ أنس الملحوني كتابه : ( احميدة الباهري، رحلة نغم – فارس من ذاكرة الأغنية الغيوانية – سيرة فنية 1972 – 2016 ) وكنت فيما قبل ، وفي مرحلة الإعداد للكتاب المذكور قد اطلعت على بعض خطوات الإنجاز في جلسة ثنائية طويلة وجميلة ، اشتملت على تبادل آراء ونقاشات عديدة ومتنوعة ومفيدة ، وانتهى بنا الكلام إلى أن أوصيت المؤلف الزميل بضرورة التخصص في الكتابة التوثيقية لما لمست فيه من كفاءة وفهم ، واستعداد للعمل بتجدد وتطور ، ولحاجتنا الملحة جميعا لمثل تلك الكتابة لأهميتها ومنافعها على الساحتين الفكرية والإبداعية .
واليوم ولله الحمد وبعد أن صار الحلم واقعا ، وأصبح الكتاب حقيقة بين أيدينا ، فمن الواجب علي – ومن باب المشاركة في تشجيع الأستاذ الملحوني – أن أتكلم بشيء من التفصيل على مزايا الكتاب العديدة ، وسأحصرها في بندين كبيرين هما :
البند الأول : مفاهيم الكتابة التوثيقة كما ظهرت لي في محتويات الكتاب ، ولعلي سأساعد القارئ على التتبع الجيد إذا قدمتها وفق التسلسل الآتي :
1 – التوثيق كما يتجسد ملمح من ملامحه في الكتاب هو تتبع مستفيض ، ومصاحبة حثيثة لظاهرة معينة ، تمثلت هنا في الظاهرة الغيوانية من خلال سيرة أحد رموزها الفنان احميدة الباهري ، وهي سيرة فنية وفكرية خصبة وشاسعة .
2 – التوثيق كذلك يعني حسب الكتاب المحافظة على ظواهر المجتمع المختلفة ، وتسجيلها ، وملاحظة نبضات حركات التيارات المشكلة لفحواها في تصاعدها وخفوتها واختلفاتها ، ولاسيما ما يتصل منها بالفكر والإبداع .
3 – وضع مفاصل للحديث عن الظواهر المجتمعية عن طريق وضع حدود بين التغيرات والانتقالات الطارئة في حياة المجتمع ، إما بصفة مدروسة ومُسَبَّبَة ، وإما بصفة طارئة ولأسباب خفية ومفاجئة .
4 – العمل على إبراز مكامن الغنى والتطور في الظاهرة المدروسة بمشاهد وأساليب شيقة ، تلائم مقام القول ، ومقام الفكر ، ومقام الحركية المجتمعية ، والأستاذ أنس كان بارعا في رصد نقط البداية ومحطات الانتهاء ، وعناصر الالتقاء والتداخل بين كل المراحل الزمنية وأمكنتها المشاهدة .
5 – الصعوبة الأولى التي تشوش على الكتابة التوثيقية تتمثل في حسن اختيار الظواهر القابلة للدرس والتمحيص بجدارة الفكر ، وجهد الفعل الفني المتواصل والمصاحب للظاهرة ، والقارئ سيلاحظ أن كتاب الأستاذ أنس تأسس على مبدأ تلك الجدارة والعطاء الفني المسترسل مع الزمن وعبر مراحل طويلة طافحة بالجد والاجتهاد .
6 – الكتابة التوثيقية هي ذاكرة ، وهي الحافظة للذكريات القائمة والفائتة التي تمر على المجتمع ، وقد تنقضي ، أو تندثر وتتراجع في ساحات المجتمع ولكنها تبقى حية على مستوى العقل والذهن ، والاحتفال الثقافي ، وهذا نوع من التأريخ التي نحتاج إليه في وقتنا نظرا لحجم الانقراضات والتراجعات لكثير من ظواهر المجتمع المغربي الفكرية والفنية ، ومن هنا طلبت من زميلي الأستاذ أنس أن يتخصص ويجتهد في هذا النوع من الكتابة ، ولا زلت أؤكد عليه لما أعرفه عنه ، ولما له من شغف ذاتي وقدرة فكرية ، ولما يملك من محتويات نتيجة عمله الإذاعي طيلة السنين الماضية ، يقول الأستاذ أنس في الصفحة : 50 وضمن فقرة دالة على جميع العناوين والاهتمامات السالفة : ( الكتاب الذي بين يدي القارئ هو عبارة عن سيرة حياتية مفصلة لمسار فنان مبدع وموهوب ، امتلك الكثير من المهارات ، وقاد سفينته الإبداعية بكياسة وحنكة رغم ما واجهه من معيقات ومطبات ، إن هذه الصورة الفنية لأحمد الباهري هي تعبير صادق عن إيماني العميق بأهمية كتابة السير الغيرية بصفة عامة ، والفنية على وجه الخصوص ، وقدرتها على توثيق مسارات فنانين ، وموسيقيين ، وشعراء ، ومنشدين ، وعازفين ساهموا في تشكيل وعي أجيال مغربية ، وصاغوا مرحلة مهمة من تاريخ بلدنا الحديث بالكثير من الفنية والإبداع والجمال ) .
البند الثاني : محتوى الكتاب :
بعد ذكر ما تيسر من معالم الكتابة التوثيقية كما بدت لي في كتاب : ( أحمد الباهري….رحلة نغم….) أمُرٌّ إلى حديث آخر يتخصص بمحتوى الكتاب الفكري والمعالجة المنهجية ، وسيكون كلامي مركزا على عنوانين كبيرين وباختصار على النحو التالي :
1 – عنوان الكتاب ومتعلقاته : لا أعير اهتماما كبيرا للعناوين ، ولا للمتعلقات الخاصة بها من ألوان وغيرها ، ولكن هنا تبدل بي الوضع ، فعنوان الكتاب في معلمه الأصلي يتكون من جملتين لغويتين منفصلتين ، الجملة الأولى هي اسم صاحب السيرة ( احميدة الباهري ….) والجملة الثانية هي المقطع ( رحلة نغم ) وبين الجملتين نقط فاصلة ، ومعنى هذا أن الرحلة هي عبارة عن سير وتنقل في الزمان والمكان ، وبهذاالشكل لا تتم إلا بواسطة عناصر خارجية ، تمثلت هنا في شخص احميدة الباهري وأوجه ظاهرته الغيوانية ، أما النقط فتدل على محتويات الكتاب المنتظرة ، وهي غير واضحة في الأذهان إبان الكتابة ، وقد تدل على تيهان المؤلف وهو بصدد الإنجاز تماما كما كان عليه حال صاحب السيرة في تيهان حياته وتقلباتها المضطربة ، وقد تكون تلك النقط تحبيبا أو تحذيرا للقارئ من مغبة النظر الخفيف والسريع لمعالم السيرة المطروحة في الكتاب ، فالحديث فيه سيكون على فارس امتطى صهوة الفن ، وتَصَدَّرَ العملَ في إطار جديد للأغنية المغربية هو إطار المجموعات الغيوانية ، وما أدراك ما تلك المجموعات في وقتها ، وما حققته على صعيد الانتشار في عقول وقلوب أجيال السبعينات وما تلاها ، وكذلك ما خلفته من آثار وتأثير على نفسية ومخيلة المتلقين والمحبين ، وما قدمته من حلول لقضايا المجتمع ، وما تسببت فيه من مواقف وآراء متعاكسة ، وما أبلت فيه على مستوى النضال ونشر الوعي المراد في عقول النشء والمجتمع……كل ذلك عُبِّرَ عنه بتعبير يجمع بين الإنسان واللغة والآلة وأهداب الستار الداكنة ، المتشكلة من خيوط مستقلة ومتعانقة في حركيتها نحو الأسفل ، وعلى الغلاف الآخر صورة صاحب السيرة في الأعلى معانقا آلته وهو يضحك وكأنه إصرار على المضي والاستكشاف بجانب صورة المؤلف في إطار بالأسفل مُحَدِّقا ، وناظرا نظرة منفتحة ، وقلقة ، ومتسائلة ، وفاحصة ، ومستمرة إلى مالا نهاية ، وتنتظر شيئا ما ، كان مجهولا آنذاك ، ولا زال مثيرا ، ويثير الكمائن في النفس والعقل إلى حدود اليوم .
2 – أحاديث الكتاب : أعني بالعنوان وسائل التعبير المختلفة التي استعملها المؤلف في كتابه ، فهي عبارة عن مزيج من الكتابة اللغوية ، والصور المعبرة بأحجام ودلالات مختلفة ، وسأترك الكلام عن اللغة بمعناها اللفظي لأنها مدركة ، لأنتقل بالقارئ إلى نماذج من دلالات الصور ، على اعتبار أنها الأهم والأساس في انبثاق المعاني في الكتابة التوثيقية ، وبإمكاننا أن نضيف إلى دلالات الزمان الملاحظة خلاصات أخرى ، منبعثة من التأمل ، واستخدام الصورة بكيفيات مقصودة وكأنها لغة ثانية تحتاج إلى ترتيب وتأثيث إسوة باللغة الناطقة .
أحصيت أزيد من مائة ( 100 ) صورة جماعية ، وما يقرب العشرين ( 20 ) من الصور الفردية ضمها الكتاب في مختلف فصوله ، وسأفرد حديثي هنا بالصنف الأول من الصور لأهميته في تبيان مراحل سيرة الفنان احميدة الباهري .
تتنوع تلك الصور إلى ما يتعلق بالملصقات ذات الطبيعة الإعلانية ، وما يخص صور العروض ذات المنحى التأريخي الزمني ، وبإزائها صور بعض المشاهير في مختلف لحظات الأنشطة ، ثم الصور المتعلقة ببعض الوصلات الإشهارية ، كما أن الكتاب حوى صورا من الفترات الدراسية الماضية .
المتأمل لكل تلك الصور سيلاحظ أنها أضحت عبارة عن ذكرى تؤرخ لذكريات النشاط والعطاء ، وتنبئ كذلك على أن الفنان الباهري كان يملك طاقة فنية هائلة ، صرفها بإتقان في مختلف الأنشطة التي قام بها طيلة مسيرته الإبداعية ، والأهم عندنا أن تلك الصور قد فصلت تفصيلا جيدا ومحيطا بمختلف فترات التجارب الفنية للفنان المذكور ، وبذلك نكون إزاء حصيلة واسعة ، مدعمة بصور تدل عليها ، واستطاع الأستاذ أنس أن يستنطقها باحترافية ، وأن يرتبها ترتيبا مفيدا للفنان الباهري أولا ، وللقارئ ثانيا ، فهي بمثابة صلة وصل صنعها المؤلف وتوفق فيها كثيرا بحسه الصحافي المرهف ، يقول أنس متتبعا مشوار التجارب الفنية للفنان الباهري ، وراصدا لأنواع المشاكل الممكنة والطارئة ، وعلى لسان صاحبها : ( كلما فكرتُ في إمكانية غياب مجموعة أبنات الغيوان عن الساحة الفنية المغربية إلا وظهرت أمامي إشراقات فنية جديدة ، تجلب الأمل والحماس ، حاملة الكثير من التسميات ، كان علي الاستمرار في العمل بجدية ، وعدم توقف – هكذا وردت – كنت مضطرا لتوفير لقمة العيش لأسرتي ، والموسيقى كانت مجالي الوحيد الذي أتقنه تماما ، وجدت نفسي قادرا على الكتابة الشعرية والتلحين والعزف على مختلف الآلات الموسيقية ، بالإضافة إلى مهارتي في الغناء ، إنها كفايات متنوعة ومتعددة ، نادرا ما تجتمع في فنان واحد ، لقد خضتُ الكثير من التجارب والمشاريع الغنائية التي زادت من ثروتي الفنية – 205\ 206 ) .
الكتابة التوثيقية إن لم تَجر على يد خبيرة تكون معرضة لكثير من الأخطاء التركيبية كتداخل سياقات الكلام فيما بينها ، والاضطرابات المصاحبة لبناء الجمل من جهة كثرة الضمائر والتنقلات المفاجئة ما بين السارد والكاتب ، ثم المعضلة الكبرى وهي كيف ترتب الفقرات بتسلسل متعانق ، يحافظ على حيوية السرد ، وعلى هيكلة الكتاب ، أنظر هنا إلى قول أنس ضمن النص السابق ( ….نادرا ما تجتمع في فنان واحد…..) هي انقطاع لتسلسل السرد ، دُفِع إليه المؤلف لمحاربة الرتابة المتعلقة بتوالي الأحداث والأقوال ، ولتسجيل ملاحظته الذاتية الآنية حين أحس بها في دواخله أثناء مسك الوقائع والتفاعل معها .
أريد أن أختم بإشارة تشير إلى بعض مميزات الكتاب الأخرى من ناحية المحتوى كتزينه بمجموعة من النصوص الفنية لمختلف المجموعات الغنائية ، وعرضه للاختبارات المؤلمة التي عاشها الباهري طيلة حياته.
وهي من مميزات الكتابة التوثيقية بمعناها الواسع والصحيح ، إذ لا يكفي الكشف عن وجه واحد من الحياة وإن كان كبيرا ، أو عن وجوه منتقاة ، فتلك الكتابة تشبه الحياة ومراحلها ، وعلى الكاتب أن يكون واعيا بكل تلك المستلزمات الضرورية في أي توثيق ، يشتمل على الصورة والمحاورة والتعليق ، والسؤال الآني المستخلص من حرارة النقاش ، والخلاصات الفجائية المستفادة من تحليل الأحداث.
ولعمري أن جميع ذلك ، وسواه موجود بصيغة حية ، متحركة وملموسة في كتاب الأستاذ أنس الذي يعتبر فتحا جديدا في باب الكتابة التوثيقية على مستوى المضمون ، وعلى مستوى آليات الاشتغال والكتابة ، فمن الصعب أن يكتب فنان وصحافي عن فنان سامق وسابق بمثل هذا الوضوح والفهم الذاتي ، والانفعال النفسي ، والقناعة الفكرية والإبداعية ، فلولا الإيمان الجامع بين الكاتب والفنان ، وأيضا الصدق ورابطة الفن والإبداع ما كان لينجز ، وما كان ليخرج بهذا الشكل الإيجابي القشيب.
ومع ما قلناه نثبت بأن الكتاب لا زال في حاجة إلى مجالسات أخرى لغناه وحقائقه وأساليبه ووسائله وأسئلته الظاهرة والمضمرة.
أتمنى أن يكون الرجوع إليه بعمق أكثر وأكبر في المدى القريب بحول الله .

التعليقات مغلقة.