رأيي في التعديلات المقترحة على قانون مدونة الأسرة.. السكن الرئيسي والتركة

الانتفاضة // الدكتور // احمد كافي

إن منهجي الذي أنا مقتنع به، أن القضايا العامة لا يجوز التشنج لقول فقهي إن كانت هناك أقوال أخرى إلى جانبه. وأن الناس إذا احتاجوا لقول من الأقوال فهي بين أيديهم، فالأقوال للانتفاع وليست نصوصا شرعية كما يفعل كثيرون.
وعلماء المغرب منذ زمان قرروا في المسائل العامة الأخذ بما جرى به العمل لمصلحة الجماعة. وما جرى به العمل هو القول الضعيف عندما نحتاج إليه لجلب المصلحة أو دفع المفسدة.
وإذا كانت القاعدة تقول: الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة، فإن هذا التجويز منظور فيه هذا المعنى، وهو الاحتياج العام الذي تستباح به بعض الأمور المرفوضة في أصلها، لكنها أفضل من الوقوع في المحرمات، أو إضاعة المصالح العامة.


تحدث للناس أقضية:
وعلينا أن نستحضر أمرا في غاية الأهمية، أننا في ظل تغير القيم عند الناس، حتى أصبحنا نرى دورا للعجزة مع وجود الأبناء، ونرى الاعتداء على الأصول، والتناكر …فقد وجب في حقنا أن نستوعب جيدا أن للانحرافات والتغيرات أحكام أخرى، وأنه لا ينكر تغير هذه الأحكام بتغير الناس، وأن أحكام السواء للأسوياء، وأحكام الانحراف عن الأصل لهؤلاء. وقديما قال العلماء: تحدث للناس أقضية وأحكام، بقدر ما أحدثوا من الفجور والانحراف، وتحدث لهم رغائب، بقدر ما وقع لهم من الفتور().


السكن الرئيسي من مشمولات التركة:
قلت وأكرر: إن السكن الرئيسي جزء من أجزاء التركة، وهذا هو أصله، لأنه مال الهالك، وجميع ما كان للهالك في حياته، فهو له، ويقتسمه الورثة بينهم على وفق القسمة الشرعية المعلومة. ومن أراد إخراج شيء فقد أساء وظلم. فإذا كان للهالك وفر وغنى، فإن هذا السكن يقتسم، لكننا نراعي ساكنه بأن يبقى في حيازته نصيبا له، ويستوفي الورثة نصيبهم من الأموال الأخرى الباقية. مثل ما تقبله الشريعة من إعطاء حق الشفعة للشريك، فإن تصرف فيه بانتزاعه من الشريك وبيعه لأجنبي تم إرجاعه له. مع ان الأصل هو حق صاحب الشيء في التصرف فيه على وفق إرادته.


السكن الرئيسي لا يعد من مشمولات في التركة:
لكن إن كان الهالك لا يملك إلا هذا السكن الرئيسي، وأراد الورثة تشريد عائلته بحجة أن لهم نصيبا في هذه التركة. هنا نقول: نعم، لكم نصيب في هذا السكن، وحيث إن اخلاقكم أبت عليكم إ تشريد عائلة الهالك، فإننا نقول لكم: لا حق لكم في هذا التصرف، والسكن لساكنه لا لكم.
فإذن، حديثنا عن السكن الرئيسي في حالة العوز لا في حالة الوفر. وقد كتبت في هذا منذ زمان مصنفا خاصا في أزيد من ثلاثمائة صفحة.


الشريعة لا تقبل المفاسد:
إن الشريعة لا تقبل تجاوز قطعيات الشريعة وأحكامها، وتصر على احترامها والتسليم لها، وتنهى عن التقدم عليها. قال تعالى:﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾[الحجرات:1].
وفي الوقت الذي لا تقبل الشريعة تجاوز أحكامها لما تنطوي عليه من مصالح تستجلب معها، ومن مفاسد تدفعها. فإنها لا تقبل أن تتحول بعض أحكامها إلى مدية للإساءة وإعنات المكلفين. ومنه جاءت قواعد رفع الضرر، ومنها قاعدة سد الذرائع.
لا تقبل الشريعة بأحكامها القطعية والظنية المرنة، أن تبقى مكتوفة الأيدي أمام ما تراه من تعريض الأسر للتشريد بدعوى ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قبلها العذاب.

 

إفزاع العصبة للأسرة موضوع قديم:
نؤكد ابتداء أن إفزاع العاصب للأسرة في سكنها الرئيسي ليس أمرا حادثا مع أبناء هذا العصر، بل وجد في تاريخ المسلمين، وإن شئت أن تقول: إنه ظهر في زمن النبوة.
عن كلثوم، عن زينب: أنها كانت تفلي رأس رسول الله صلي الله عليه وسلم وعنده امرأة عثمان بن عفان، ونساء من المهاجرات، وهن يشتكين منازلهن أنها تُضيّق عليهن، ويُخْرَجْن منها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تورث دور المهاجرين للنساء، فمات ابن مسعود، فورثته امرأته دارًا بالمدينة”.
وقد روى الحديث كل من الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، والطبراني في المعجم الكبير، والبيهقي في سننه الكبرى، وغيرهم كثير من أصحاب السنن.


يشتكين منازلهن أنها تُضيّق عليهن، ويُخْرَجْن منها:
وقد أورد الشراح أن الشكاة الواردة من النساء المهاجرات، وهن غريبات في يثرب، معناه: إذا مات زوج إحداهن استخلصت عائلة الهالك بيتها منها، بتمكينها من نصيبها في الإرث فقط. قال في فتح الودود:” “أنها تُضيق عليهن” أي إذا مات زوج واحدة، فالدار يأخذها الورثة، وتُخرج المرأة منها وهي غريبة في دار الغربة، فلا تجد مكانًا آخر فتتعب لذلك”(). وقال الشيخ خليل أحمد السهارنفوري(ت1346هـ):” وهن يشتكين منازلهن أنها تضيق عليهن: أي بتضييق الورثة عليهن: ويُخرجن منها: أي إذا مات أزواجهن”().


القضاء النبوي: إخراج السكن الرئيسي من وعاء التركة:
إن هذا الحديث قضاء نبوي صريح في منع الورثة من إخراجهن من سكنهن، وجعلها لهن ميراثا لا حق لعصبة الهالك أو غيره حق في هذا السكن.
وقد تكلم الفقهاء عن هذا القضاء النبوي، وتساءلوا: أيشمل غيرهن من نساء أهل الإسلام، أو من يكون في مثل وضعهن أو لا؟
جواب أهل العلم:
وكان من جوابهم عن حديث توريث النساء منازلهن لا حظ للرجال فيها، كما يلي:


القول الأول: الحديث من أحاديث الخصوصية لا عموم له:
إن توريث الدور للنساء خطاب خاص بالمهاجرات، فليس يحق الاستدلال به لمن أراد منع الورثة من نصيبهم من سكن الهالك. ورد عليهم بأن الخصوصية ليست دعوى، بل لا بد من دليل عليها، ولا يوجد دليل في هذا الادعاء.


القول الثاني: الحديث منسوخ:
إن هذا التصرف النبوي كان العمل به قبل نزول آيات المواريث. وبنزولها لم يعد للقول به معنى. أي أنه من الأحكام التي نسخت. أي أن التمسك بهذا الحديث لا وجه له عند هؤلاء.
ورد هذا القول أيضا من جهات، منها: انعدام التاريخ للقول به، فإنه لا أحد يمكنه أن يؤكد أن آيات المواريث نزلت بعد هذا الحديث. ورفض من جهة ثانية من خلال عمل ابن مسعود الذي تأخرت وفاته، حيث طبقه، فجاء في الحديث:” مات ابن مسعود، فورثته امرأته دارًا بالمدينة”.


القول الثالث: الحديث محكم، والسكن لهن لا حظ للورثة فيه:
ثم اختلف هؤلاء على قولين:
الأول: أنه تمليك لهن، لا حق للورثة فيه بعد ذلك. لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما هو منطوق الحديث: أمر أن تورث دور المهاجرين النساء”. والتوريث لا ينصرف إلا للتمليك. وهو اختيار كثيرين،
منهم البيهقي الذي قال في سننه: باب ما جاء في توريث نساء المهاجرين خططهن بالمدينة.
الثاني: أنه للنساء انتفاعا فقط لا تملكا، بحيث إذا توفيت رجع السكن إليهم. كما كانت حُجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته انتفاعا. مع أن الأصل أنه كان يجب إخراجهن من بيوته صلى الله عليه وسلم، لما صح من قوله: نحن معاشر الأنبياء لا نورث…”الحديث.
وعموما، فإن بعض أهل العلم تذاكروا في إبقاء السكن الرئيسي للنساء إلى ما قد علمت من أقوالهم، فلا معنى للتعصب لقول على حساب قول. وأن ما اختاره الناس اليوم من الأقوال لا بأس به. ومن يدري أن يتحولوا عنه غدا، ولهم الحق في ذلك.

التعليقات مغلقة.