الانتفاضة // محمد المتوكل
في زمن الرويبضة وبنات الليل والامهات العازبات والنسويات الفاشلات والفيمينيزمات الغافلات والذين يقضون الوقت كله امام المراة ليثيروا انتباه عشاقهم في المتزهات والبحار والمؤسسات والادارات والنوادي والمقاهي والمتاجر و الحانات والعلب الليلية والملاعب ومقاهي الشيشا والخمارات والسناكات والمقاهي والحدائق والاوطيلات وفي الاماكن المظلمة وفي (البورديلات) يبعن اجسادهن لمن يدفع اكثر، في مقابل هؤلاء الببغاوات والتافهات والفاشلات دنيا واخرة، يبرز اسم خديجة الام المثابرة والصبورة والقنوعة والملتزمة والماضية في تحقيق امالها على هدى من الله لا هي متزينة ولا هي متبرجة ولا خارجة وروائح العطور على ملابسها ولا هي مغادرة للبيت بلباسها الفاضح والكاشف والواصف ولا تلبس النظارات الشمسية ولا هي تضع الماكياج ولا هي تلبس الكعب العالي ولا هي تخالط الرجال ولا هي تبحث عن عشق محتمل ولا هي تراود الناس بابراز مفاتنها ولا هي تغير الخلان والعشاق كما تغير جواربها المثقوبة.
هي التي يستحق ان نقول عنها بانها امراة من زمن اخر، امراة مناضلة ومكافحة وصبورة وقنوعة وعانت الامرين نتيجة الزلزال الاليم والذي خلف ضحايا وندوب في المجتمع باسره وفي نفسية خديجة بالخصوص.
ففي مواجهة المحن والآلام، يستطيع البعض الحفاظ على رزانته وكرامته، على غرار خديجة إدمبارك، الناجية من الزلزال العنيف الذي هز منطقة الحوز في 8 شتنبر 2023، والتي تعتبر بحق نموذجا لامرأة تمكنت بعد هذه الكارثة من تضميد جراحها والمضي قدما في استشراف حياة جديدة.
فبعد عام تقريبا، تتذكر خديجة تلك الليلة العصيبة التي قلبت حياتها رأسًا على عقب، دون أن يؤثر ذلك على إرادتها في لملمة أمورها، والعودة سريعا إلى نشاطها بفضل عزيمتها القوية، ومساعدة ودعم السلطات المحلية لها.
“في ذلك اليوم، فقدت اثنتين من بناتي بعد أن انهار منزلنا.”تقول السيدة إدمبارك البالغة من العمر خمسين عاماً، بصوت أجش، مؤكدة أن هذه المأساة “تركت جرحا غائرا لا يندمل”.
تمتلك خديجة (مقهى – مطعم) بجماعة ويركان، وهي جماعة قروية بتخوم جبال الأطلس الكبير (62 كلم من مراكش).
وبفضل ديناميتها المعهودة، تتنقل خديجة بخفة بين مطبخ المقهى وبين الشرفة المطلة على المناظر الطبيعية الجميلة لبحيرة ويركان، حيث يأتي زبائنها لاحتساء الشاي بالنعناع أو تذوق الطاجين التقليدي اللذيذ الذي تعده بعناية وشغف.
“يبدأ يومي باكرا. مع بزوغ ضوء الصباح، أرتدي مئزرتي وأشرع في العمل،” تتابع خديجة، وقد ارتسمت على محياها فجأة ابتسامة مشرقة. ويتمثل عملها في طهي أطباق لذيذة تفوح رائحتها في الحي بأكمله، وكل ذلك بروح من البهجة والروح الإيجابية.
توزع ابتسامة هنا، وكلمة ترحاب هناك، وهو ما مكنها من جعل المقهى – المطعم الخاص بها أكثر من مجرد مكان عمل، بل فضاء للتبادل، والعيش المشترك، والتشافي الجماعي لساكنة المنطقة والرواد على حد سواء.
في المساء، ومثل طيور النورس، العائدة إلى أعشاشها، تمارس خديجة مهامها أيضًا كأم متفانية وحنونة. وعلى الرغم من أيام عملها الطويلة والشاقة، إلا أنها تجد الوقت والطاقة لرعاية أفراد أسرتها وتقاسم لحظات ود مع بناتها، اللاتي يسارعن دائمًا إلى مساعدتها في المهام اليومية.
ومع طلوع فجر يوم جديد على ويركان، تستأنف الحياة مجراها. ومثلها مثل أشجار الزيتون المعمرة و المتجذرة في هذه الأرض المباركة، فإن خديجة، مثل مجموع ساكنة قريتها، أكثر تصميماً من أي وقت مضى أن تعاود التحليق عاليا من جديد.
هو اذن نموذج الام المثابرة والمخالطة للناس وفق الضوابط الشرعية والمحافظة على الحياء العام والذوق العام والبيئة العامة والاتجاه العام (ماشي غير جيب يا فم وقول) بدون حشمة ولا وقار، ومثال على الام التي دفعتها الظروف لمساعدة ابنائها وتربيتهم على العفة والكرامة والحشمة والحياء والعفاف والكفاف والغنى عن الناس، ام تبذل كل ما في وسعها لتكون القدوة الحسنة في زمن الرويبضة والتافهات والماجنات واللواتي ضربن الدين بعرض الحائط وتمسكن بقشة ستقصم ظهرهم لا محالة.
التعليقات مغلقة.