الانتفاضة // محمد المتوكل
يعتبر الانترنيت منحة ربانية مهمة تساعد الانسان على تدارك ما فاته من علم ومعرفة، ويعتبر التعاطي مع هذه القيمة المضافة سيفا ذو حدين، فاما ان نستعمله لنكبر او نستعمله لنصغر، وهو عين ما حصل مع بعض المسلمين الذين انغمسوا في الانترنيت الى حد الادمان، وجعلوا منه اولوية الاولويات، ونسوا ذكر الله، وقراءة القران، والذهاب الى المساجد، والصلاة، والالتزام الحقيقي، والاقبال على الحياة، والتركيز في المدرسة ومتابعة الدروس والجد والاجتهاد في المدرسة، والذهاب الى العمل بشكل طبيعي، والتركيز في العمل، واداء الواجبات الزوجية شكلا ومضمونا، وتربية الاولاد على القيم والعادات والتقاليد الصحيحة، والمساهمة في اعمال الخير والخروج من المواقع الى الواقع، وزيارة الاهل والاحباب وصلة الرحم وغيرها من اعمال البر، بل بعض المسلمين من استعملوا الانترنيت من اجل نشر الرذيلة والتجارة الحرام، واكل اموال الناس بالباطل، والنصب والاحتيال والسرقة والخداع واقامة العلاقات المحرمة والزنا واللواط والشذوذ والسحاق وغير ذلك من المدلهمات التي سقطت بايوان مجتمعنا في اتون الحرب مع الله تعالى ورسوله عليه السلام، فنبت لنا جيل شيطاني انطوائي عبثي و فوضوي و مارد خرج عن طواعية الدين والصراط المستقيم الى حافة الهوى والضياع واليباب والشتات والخراب للاسف الشديد، مع العلم ان هناك بقية باقية من الجيل الرباني الذي يحمل هموم دينه واسرته و امته ولا يستعل الانترنيت الا فيما ينفع على الرغم من ضالة نسبته.
فجربوا الابتعاد عن الانترنت قليلا وستكتشفون أنه لم يفتكم شيء داخله، و لكن فاتكم اشياء كثيرة خارجه، كبرت أمهاتكم وأنتم لا تشعرون، غادركم أحبتكم دون أن تنتبهوا، ضاعت منكم فرص كثيرة وأوقات ثمينة، فاتت عليكم وأنتم لا تعلمون، صلوات، أذكار وسنن ورواتب عبادات معاملات، دراسة عمل توظيف مهارات، قراءة الكتب والمجلات والجرائد، السعي نحو الخير واعمال التطوع ومساعدة الاخرين فيما احتاجوا اليه، انغمستم في الفاني ونسيتم الباقي، ضيعتم الاوقات في (الخوا الخاوي والبوليميك وصناعة الانا الفانية)، والمصيبة انكم ستسالون عن كل دقيقة وثانية وجزء من المائة اضعتموها في الغيبة والنميمة والكذب والتجسس والتحسس وتضخيم الانا المريضة بالانا، والشات الفارغ و المراسلات الكاذبة انها الحقيقه الموجعة، والتي لا تقبل القسمة على اثنين.
فعلا الأنترنت سلب منا حياتنا الحقيقية وأخذنا إلى حياة وهميه بائسة، سلبنا راحة البال، وصفاء النفس، وطهارة التفكير ، وبراءة الأطفال، ونقاء النية، شغلنا أعيننا بالهواتف النقالة عوض رؤية وجوه أمهاتنا وأبائنا وأحبابنا واولادنا وجيراننا وقضايا امتنا وقضايانا الحقيقية، ومواضيعنا الرئيسية وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا، فعلا سيأتي يوم نحاول فيه تذكر ملامحهم ولا نقدر، سوف يأتي يوم نعشق اللعب ونجد أنفسنا قد كبرنا، سوف يأتي يوم ترغب في مجالسة الأصدقاء وتجد ان هاتفك شغلك ورحلوا، والمصيبة العظمى هي انه نسهر الليالي والليالي في الدردشات عبر وسائل التواصل الاجتماعي كالواتساب والفايسبوك والانستاغرام والايكس، واقامة العلاقات المحرمة، والرد على الاجانب الذين لا نعرفهم، بل من المسلمات من تتجرد من لباسها وعفتها وحشمتها وترسل صورها عارية كما ولدتها امها الى من تعرف ومن لا تعرف، وذلك باسم الحب الكاذب، والعشق المتاح، والعري الفاضح، والحرية المفترى عليها، ولنا في المغرب وخارجه، ولله الحمد الذي لا يحمد على مكروه سواه قصص فاضحة تسير بها الركبان و يندى لها الجبين، ومن الرجال كذلك من يستدرجون الفتاة الى قبيل صعود الفجر، وهم يتحدثون اليها مطالبين اياها بكل شيء، (شنو تايكون تايقول ليه مثلا تيحفضها القران الكريم)؟؟؟، يا امة ضحكت من جهلها الامم، واصبحنا قبلة للغزاة في كل الطابوهات التي كانت شرف عزتنا فاصبحت ذل ذلتنا.
نضحك هنا ونمزح هنا الى ان نلملم أعيننا بالنوم وننام نزما هادئا، دون ان نستيقظ حتى لصلاة الصبح، هذا اذا كان بعض المسلمين يصلون، اما اغلبهم فلا يصلون وحتى اذا صلوا فصلاة بلا روح ولا معنى ولا هم يحزنون، أين قيام الليل؟ اين ذكر الله؟ أين المحافظة على الصلاة في وقتها؟ اين تعليم الابناء الصلاة والصيام والقيم؟ اين مساعدة لاخرين؟ اين الالتزام بشرع الله قولا وعملا؟ اين تبليغ دعوة الله تعالى قولا وعملا؟ اين؟ وأين؟ لما لا نجعل من المصحف الكريم مثلا رفيقا لنا ومنهاجا لنا عوض ان نتشدق بالصلاح و نحن نحتاج الى توبة نصوحة؟، والا فان ما ينتظرنا الله تعالى وحده العالم والعليم به، تصوروا معي لو كنا نفتح القرأن الكريم فقط نصف الوقت الذي نفتح فيه الانترنيت، او نحمل هواتفنا كيف سيكون حالنا؟، اكيد سيتحول واقعنا و حالنا الى احسن الاحوال، لكن انتكست فينا الفطرة، وعلا فينا التكبر الفارغ، والفراغ الدماغي، والخواء العلمي، والكبت العاطفي، واختلطت العلاقات، حتى اصبحنا لا نفرق بين المحارم وغيرهم، ولا نميز بين الرجل والمراة في السلوكات والتصرفات، اضافة الى البعد عن الله شكلا ومضونا، فجعلنا من الانترنيت مجالا من اجل اخفاء عيوبنا وكوارثنا التي لو ظهرت للعيان لكانت فضائح بجلاجل.
فعلا ان الأمر يحتاج لوقفة مع النفس لنراجعها عن ما صارت اليه من تبعية بلهاء وغوغائية فاضحة، ولنقف مع انفسنا وقفة رجل واحد لننهرها، ونهمس في اذنها قائلين لها: ان الطريق التي تسلكينها (راها ما تتخرجش)، للاسف الشديد، فالرحيل لايستأذن، وملك الموت لا ينتظر توبتك ليستاذنك، فاعمل صالحا يسرك ان تراه غدا امام الله حسنات لا تعد ولا تحصى، فالدنيا معبر وممر و ليست مستقر، ولنتب الى الله تعالى قبل ان تبلغ الروح الحلقوم، ولن ينفعنا بعد ذلك ما كنا عليه من لهو الحديث ونفاق التعامل وسفسطائية السلوك وعنف التفكير ولغط الهوى ولقطة التصور، فاليوم عمل بلا حساب وغدا حساب بلا عمل، وكل اناء بما فيه ينضح والى الله عاقبة الامور.
التعليقات مغلقة.