الدارالبيضاء..أحد الناجين من رحلة الموت بسيدي رحال يروي بحرقة قصة العذاب الذي عاشه ال 60 “حراكا”

الانتفاضة // المصطفى بعدو
كانت البداية، انهم جمعونا في خلاء لاتعرف له مكان، ولا حدود شرقية له ولاغربية، بمنطقة سيدي رحال، بمقياس 6ساعات من الجري المتواصل بمعدل 10 كيلومترات، وسط الدواوير والمداشير، بعيدا عن عيون الدرك الملكي والسلطة المحلية،مايقاب 80 شخصا كانت تدك الارض دكا دون انقطاع ولاتسمع الا صوت الأحدية وكأننا في ماراطون للجري، او في احدى التكنات العسكرية ونباح الكلاب يزداد حدة كلما اقتربنا من احدى الدواوير، حتى وصلنا للبحر ووجدنا “المعلم” او “الحراك” ينتظرنا بزورق صغير “الفلوكة”.

وتساءلت حينها مع نفسي وانا في حيرة من الأمر، هل تكفي لكل هذا الكم من البشر ما يقارب 60 شخصا هي التي وصلت ، وربما الباقون كل واحد وصل لنقطة ما لم يعد بإمكانه مواصلة المسير، وتخيلت ايظا كم من مال هؤلاء المساكين الذي ضحك عليهم وجز بهم في هذا الفخ القاتل، ذهبت لجيوب هؤلاء الذي يبيعون الحلم على كف عفريت او على حافة موت يكشر بأنيابه كالليث الهصور، مستعدا لابتلاع فريساته في أية لحظة.

ورغم أن هذه الاسئلة ليس لا وقتها ولاأوانها ولاحينها في تلك اللحظة بالذات، لحظة تمثلت لي كيوم الحساب، الموت من امامنا الذي هو البحر، والعدو ورائنا الذي هو الهروب من الفاقة والعوز وقلة ذات البين، ورؤية عائلتك تموت كل يوم في سبيل لقمة العيش وليس باستطاعتك ان تجعلهم يعيشون في المستوى المطلوب من الكرامة وعزة النفس.
كان المشهد أمامي تقشعر له الأبدا، فلول من الموتى الأحياء يقفزون نحو الهلاك المحتوم بارادة مسلوبة، ويكأنهم ذاهبون إلى الجنة، هل هم مدركون جيدا حجم هذه المغامرة التي يقدمون عليها؟.
ربما لا وربما نعم، ولكن في نهاية المطاف اما فائزون او خاسرون ، بين الرغبة الأكيدة في معانقة الحلم الذي أدوا ثمنه باهضا او معانقة الموت، رغم ماقد يسببه ذلك من ألالام وأوجاع لعائلاتهم وذويهم.
كانت كل هذه الأفكار او التخيلات و حديث الوجدان قبل بداية النهاية، تمر من مخيلتي او ذاكرتي كالبرق الخاطف، لم اسمع الا صوت بائع الوهم “المعلم” يأمر الجمع الكبير بركوب زورق الموت هذا الماثل أمام عيني.
وبعد هنيهات قليلة، انطلق بنا المركب بنصف ساعة تقريبا. او تزيد على ذلك قليلا ، عاد أدراجه للشاطئ ولكن من جهة أخرى من مكان انطلاقنا، ليأخد 4 سيدات وطفل كانوا في انتظاره، ليعاود بنا المسير، ولكن في تلك اللحظة بدأ الشك يساور الجميع، في لحظات من الخوف وعدم اليقين من نجاح هذه المغامرة المميثة، وعلا الهرح والمرج يطالبونه بردهم الى بر الامان ، بعدما كمية كبيرة من المياه تدخل الى الزورق “الفلوكة”.

اختلطت بالوقود الذي بدأ يسري في اجسادنا ويعطي حكة رهيبة ممزوجة بالالم، وخاصة في المناطق الحساسة ، ورغم ذلك ارتأينا ان نصبر قليلا، ولكن دائرة الشك والريبة والوجس بدأت تزداد وتتسع ، حتى استحالت كبيرة جدا، فلما رأى منا ذلك ، اتصل ب”معلمه” الذي أمره بمواصلة الرحلة نحو موت محقق،ولكن لم نترك له مجالا لذلك، فالحياة اثمن وأغلى من هذه الميتة الشنيعة، بين براثن الشواء على رائحة الوقود او الغرق، و بين انياب قرش مفترس، في تلك اللحظة كان امتلاء الفلوكة بالمياه وشيكا.

ولما رأى من أمرها مالا يسر ومخافة من افتضاح أمره ، طلب منا خلع ملابسنا والقفز في البحر، في فراغ قاتم ظلام دامس يحيط بنا من كل حدب وصوب، ويحضننا برداء من الكفن الأبيض، ما يقارب 60 “حراكة” منهم نساء وطفل يقفزون نحو المجهول، كان اللحظة رهيبة جدا ومرعبة الى أقصى حد، بدأت اسبح وأفتش عن اخي الذي “كان في معزل مني”.

بدأت اسبح تجاه حتى وصلت اليه فسبحنا سويا للحظات ،ولكن بعد وصولي إلى الشاطئ لم أجده بحانبي…اغرورقت عيناه في تلك وهو كظيم ومهموم ، وبدأ يتكلم وبحسرة شديدة وألم وعيونه فارغة خاوية كأنه للعدم تحدقان ، اه ..اه فقدت أخي وتوأم روحي ونقودنا .. و…و..اه…اختلطت الكلمات بالدموع المنسابة على وجهه تحكي الكثير والكثير من العذاب بشتى ألوانه وأشكاله وقسوة المشاهد لاحدود لها ولاحصر لها.

 

 

التعليقات مغلقة.